حذّرت الأستاذة الدكتورة غادة عامر، أستاذ هندسة الطاقة والنظم الذكية وخبيرة الذكاء الاصطناعي، من أن ما شهدته أوكرانيا خلال أكتوبر الجاري من إبطاء لمنظومة «ستارشيلد» الفضائية العسكرية يمثل نقطة تحول في فهم طبيعة الحروب الحديثة، مؤكدة أن الأزمة تجاوزت كونها خلافًا تقنيًا أو سياسيًا، لتكشف عن نوع جديد من التهديد لم تستعد له كثير من الجيوش بعد.

أزمة «ستارشيلد» تكشف طبيعة جديدة للتهديدات العسكرية

وفي هذا السياق، قالت غادة عامر، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، تعليقًا على مقالها المنشور مؤخرًا بعنوان «حين يمسك رجلٌ واحد بمفتاح الحرب: ستارشيلد إنذارٌ مبكر من حروب المستقبل»، إن ما جرى في سماء كييف يجب أن يُدرَّس في كل الأكاديميات العسكرية.

وأوضحت "عامر"، أن ما حدث لم يتطلب تدمير دبابة أو إطلاق رصاصة، إذ فقدت المسيّرات الاعتراضية اتصالها في لحظة الاشتباك، وانكشفت سماء مدن بأكملها، لمجرد تغيير إعداد تقني على شبكة أقمار صناعية تملكها شركة خاصة.

الذكاء الاصطناعي يتحكم في الجهاز العصبي للمعركة

وانطلاقًا من هذه التطورات، أوضحت خبيرة الذكاء الاصطناعي أن الذكاء الاصطناعي ضاعف اعتماد الجيوش على الاتصال اللحظي والبيانات المتدفقة، مشيرة إلى أن أسراب المسيّرات والاستهداف الآلي والإنذار المبكر كلها تقوم على ثلاث طبقات، هي البنية التحتية من أقمار ومراكز بيانات، والبيانات، والخوارزميات.

وأكدت، في هذا الإطار، أن من يتحكم في هذه الطبقات يتحكم في الجهاز العصبي للمعركة، حتى لو لم يكن طرفًا فيها.

«سلاح الإيقاف».. تهديد جديد يتجاوز الوسائل التقليدية

وفي سياق متصل، أضافت الدكتورة غادة عامر أن الأخطر في هذه الأزمة هو ظهور ما وصفته بـ«سلاح الإيقاف»، قائلة: نحن أمام سلاح لا يترك دخانًا ولا حطامًا، ولا يمكن الرد عليه بالوسائل التقليدية.

ولم تقف خطورة هذا السلاح عند هذا الحد، بحسب عامر، بل قد يُستخدم ضد الحليف نفسه كورقة ضغط سياسي، وهو ما بدا واضحًا في توقيت الأزمة، التي تزامنت مع ضغوط على كييف لوقف ضرباتها على منشآت الطاقة الروسية.

وفيما يتعلق بدلالات الأزمة، لفتت "عامر"، إلى أن تبادل الاتهامات حول صاحب القرار يعكس إشكالية أعمق، موضحة أن الشركات التكنولوجية الكبرى باتت تملك قدرات كانت حكرًا على الدول، لكنها لا تخضع لقوانين الحرب ولا تُحاسب أمام برلمانات.

وأضافت خبيرة الذكاء الاصطناعي، أن الخطورة تتزايد حين يكون مالك الشركة شخصية نافذة سياسيًا، إذ يذوب الخط الفاصل بين القرار الخاص والقرار السيادي.

غادة عامر توجه رسالة إلى القادة وصناع القرار

وبناءً على هذه المعطيات، وجهت أ.د. غادة عامر رسالة إلى القادة وصناع القرار، دعتهم فيها إلى التعامل مع التبعية التكنولوجية بوصفها قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، لا مسألة تكلفة أو كفاءة.

وفي هذا الصدد، قالت: على كل قائد أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا، لو انطفأت المنظومة التي أعتمد عليها غدًا، هل لديّ بديل يعمل؟ إن لم تكن الإجابة نعم، فهناك ثغرة يجب سدها اليوم قبل الغد.

تنويع مصادر التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية ضرورة للأمن القومي

واستكمالًا لهذه الرؤية، أكدت غادة عامر ضرورة تنويع مصادر التكنولوجيا الحرجة وعدم الارتهان لمورد واحد، إلى جانب الاستثمار في بناء قدرات وطنية في مجالات الاتصالات الفضائية ومراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن تدريب القوات على العمل في بيئات منقطعة الاتصال.

وشددت، في السياق ذاته، على أن عقود التكنولوجيا لم تعد وثائق تجارية، بل يجب أن تتضمن ضمانات صريحة لاستمرارية الخدمة في أوقات الأزمات.

كما أكدت "عامر"، ضرورة أن يشمل تقييم المخاطر احتمال التعطيل من المورد ذاته، لا من العدو وحده، بما يعكس أهمية الاستعداد لمختلف التهديدات التي قد تواجه الجيوش في ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا المتقدمة.

«من لا يملك تقنيته لا يملك قراره»

واختتمت غادة عامر تصريحها بالتأكيد على التحول الذي طرأ على مفهوم العمق الاستراتيجي في الحروب الحديثة، قائلة: العمق الاستراتيجي اليوم لم يعد الأرض فقط، بل أصبح المدار والسحابة والخوارزمية. مضيفه، في حروب الذكاء الاصطناعي، من لا يملك تقنيته لا يملك قراره.