تحتفي مؤسسات ثقافية وأكاديمية في أيرلندا بمرور 300 عام على صدور رواية «رحلات جاليفر» للكاتب الأيرلندي جوناثان سويفت، التي نُشرت عام 1726، وحققت نجاحًا واسعًا جعلها واحدة من أبرز الأعمال الساخرة في الأدب الإنجليزي، قبل أن تتحول إلى جزء من الثقافة الشعبية من خلال الترجمات والنسخ المخصصة للأطفال والقصص المصورة والأفلام.

وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، تنظم كلية ترينيتي في دبلن، التي درس فيها سويفت، إلى جانب مؤسسات ثقافية أخرى في مختلف أنحاء أيرلندا، مجموعة من المعارض والمهرجانات والندوات والأنشطة الفنية وورش العمل، احتفالًا بهذه المناسبة، مع إعادة قراءة الرواية من زوايا متعددة، تشمل النقد النسوي والمخاوف المعاصرة المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

 معارض وفعاليات تعيد اكتشاف عالم جاليفر

وتستكشف الفعاليات الظروف التي كُتبت فيها الرواية، وتأثيرها الأدبي والثقافي على مدار ثلاثة قرون، إلى جانب تقديم قراءات حديثة للأفكار التي طرحها سويفت بشأن السلطة والغرور البشري وحدود المعرفة العلمية.

وقالت ستيفاني برين، مساعدة أمين المكتبة والأمينة المشاركة لمعرض تنظمه كلية ترينيتي، إن رحلة جاليفر الأولى إلى أرض ليليبوت تظل الأكثر شهرة لدى الجمهور، إلا أن المعرض يتيح للزوار التعرف على مختلف العوالم التي زارها بطل الرواية، ومنها ليليبوت وبرودينغناغ ولابوتا، وصولًا إلى بلاد الهوينهنم.

ويستمر المعرض حتى ديسمبر، مع إتاحة محتواه عبر الإنترنت، مستفيدًا من مقتنيات الجامعة التي تضم مئات الطبعات والأشكال المختلفة للرواية، من بينها رسوم محفورة ونسخ تفاعلية منبثقة، وقصة مصورة أصدرتها شركة «مارفل» عام 1976، فضلًا عن النسخة الوحيدة المعروفة الباقية من مختصر للرواية طُبع عام 1761.

كيف تنبأت الرواية بمخاوف الذكاء الاصطناعي؟

وتكتسب مغامرات جاليفر في جزيرة لابوتا الطائرة، التي يكرس سكانها حياتهم للفنون والعلوم، دلالات جديدة في ظل النقاشات الراهنة بشأن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتصور الرواية سكان الجزيرة وهم يحاولون استخراج أشعة الشمس من الخيار، إلى جانب استخدام آلة مكونة من أسلاك ومقابض وقطع ورقية، يُفترض أن تنتج نصوصًا في الفلسفة والشعر والرياضيات دون الحاجة إلى الموهبة أو الدراسة.

وتسلط هذه المشاهد الضوء على سخرية سويفت من الإفراط في الثقة بالابتكارات العلمية، عندما تنفصل عن الفهم الحقيقي والمعرفة، وهو ما يجعل بعض أفكار الرواية قابلة لإعادة القراءة في ضوء التطورات التكنولوجية الحديثة.

 قراءة نسوية تعيد الاعتبار لزوجة جاليفر

ولا تقتصر إعادة اكتشاف الرواية على التكنولوجيا والعلوم، إذ تتناول الفعاليات أيضًا كيفية إعادة تقديم شخصياتها من منظور نسوي، خاصة شخصية ماري، زوجة جاليفر، التي لا تحظى بمساحة كبيرة في العمل الأصلي.

وأوضحت أيلين دوجلاس، أستاذة الأدب الإنجليزي والأمينة المشاركة للمعرض، أن عددًا من الأعمال الأدبية المعاصرة أعاد تخيل شخصية ماري، ومن بينها رواية «عشيقة ليليبوت» لأليسون فيل، و«زوجة جاليفر» للورين تشاتر.

وتتناول هذه الأعمال حياة الزوجة التي يتركها جاليفر في المنزل وهي حامل، بينما ينطلق في رحلاته ومغامراته، قبل أن يعود إليها في نهاية المطاف. وتمنح هذه المعالجات الأدبية الحديثة الشخصية مساحة أكبر، وتعيد النظر في حضورها داخل الحكاية الأصلية.

من أرض العمالقة إلى البشر الخالدين.. عوالم تكشف تناقضات الإنسان

وتضم الرواية مجموعة من العوالم الخيالية التي يستخدمها سويفت لانتقاد السلوك البشري والتصورات السائدة عن التفوق والسلطة والمعرفة.

ففي مملكة لوغناج، يلتقي جاليفر جماعة من البشر الخالدين يُعرفون باسم «سترولدبرغ». ورغم افتتانه في البداية بفكرة الخلود، فإنه يكتشف أن هؤلاء يواصلون التقدم في العمر والإصابة بالأمراض إلى الأبد، دون أن تمنحهم الحياة الأبدية السعادة التي تخيلها.

أما في برودينغناغ، حيث يعيش العمالقة، فيروي جاليفر لحاكم المملكة تفاصيل عن وطنه، كاشفًا عن مظاهر الفساد والقسوة في المجتمع الذي جاء منه. ويدفع ذلك الحاكم إلى النظر إلى البشر باعتبارهم كائنات صغيرة مؤذية، في انتقاد ساخر لطبيعة الإنسان وسلوكه.

خلاف حول بيضة يشعل حربًا في ليليبوت

وتبدأ مغامرات جاليفر بعد تحطم سفينته ووصوله إلى ليليبوت، حيث يجد نفسه بين سكان ضئيلي الحجم يخوضون صراعًا مع مملكة مجاورة بسبب خلاف حول الطرف الذي ينبغي كسر البيضة منه.

ويُقرأ هذا النزاع باعتباره سخرية من الصراعات الدينية والطائفية في أوروبا، التي قد تتصاعد بسبب خلافات تبدو بسيطة، لكنها تتحول إلى مواجهات واسعة بين المجتمعات.

وخلال أحداث الرواية، يتمكن جاليفر من الاستيلاء على أسطول مملكة بلفوسكو، كما يخمد حريقًا في قصر ليليبوت بطريقة ساخرة، إذ يتبول عليه، في مشهد يجسد أسلوب سويفت في توظيف المبالغة والكوميديا لنقد السلطة والمجتمع.

 احتفالات فنية وموسيقية في ذكرى مرور ثلاثة قرون

وتشمل فعاليات الذكرى السنوية ندوة في كلية ترينيتي تناقش دور الفن في تحدي السلطة، إلى جانب تناول نقد الرواية للغرور البشري والتعالي العلمي.

كما تقدم جوقة أطفال في كاتدرائية القديس باتريك العمل الأول لقطعة موسيقية من تأليف شون دوهرتي، بالتزامن مع عروض للعزف على الأرغن وقراءات من الرواية.

ويستضيف متحف مكتبة روبنسون في مقاطعة أرما معرضًا وسلسلة من المحاضرات تستمر حتى ديسمبر، في إطار برنامج ثقافي يهدف إلى تسليط الضوء على إرث الرواية واستمرار تأثيرها في الأدب والفنون.

 جوناثان سويفت.. كاتب ساخر انتقد السلطة واللامبالاة بالفقراء

وُلد جوناثان سويفت عام 1667، وجمع بين عمله في الكنيسة الأيرلندية وكتابة المقالات والمنشورات السياسية، واشتهر بأسلوبه الساخر الذي يجمع بين الهدوء الظاهري والانتقاد اللاذع.

ومن أبرز أعماله إلى جانب «رحلات جاليفر» مقال «اقتراح متواضع»، الذي طرح فيه بصورة تهكمية فكرة بيع أطفال الفقراء الأيرلنديين للأثرياء ليأكلوهم، في نقد حاد للامبالاة بمعاناة الفقراء والظروف الاجتماعية القاسية التي عاشوها.

وكتب سويفت روايته في دبلن، وكذلك في ضيعة بمقاطعة ميث، حيث يُقال إن بعض العمال ذوي القامات الطويلة جدًا أو القصيرة جدًا ألهموا جوانب من حكاياته.

 رواية نُشرت دون الكشف عن هوية مؤلفها

وفي مارس 1726، سافر سويفت إلى لندن، بعدما انتهى من إعداد مخطوطة الرواية، ورتب لإيصالها إلى أحد الناشرين ليلًا، حرصًا على إخفاء هويته. وصدر العمل في أكتوبر من العام نفسه تحت عنوان «رحلات إلى عدد من الأمم النائية في العالم»، قبل أن يشتهر لاحقًا باسم «رحلات جاليفر».

ولم يكن بنيامين موت، ناشر الرواية، يعرف هوية مؤلفها الحقيقية عند صدورها، إلا أن النجاح الذي حققه الكتاب والسجل الأدبي لسويفت دفعا كثيرين إلى تخمين اسم صاحبه.

وأوضحت أيلين دوجلاس أن القراء كانوا يعرفون، إلى حد كبير، أن سويفت هو مؤلف الرواية، رغم نشرها دون توقيع.

وبعد مرور ثلاثة قرون على صدورها، تواصل «رحلات جاليفر» حضورها في الأدب والثقافة، بفضل قدرتها على تجاوز حدود الحكاية الخيالية لتقديم نقد ساخر للسياسة والمجتمع والعلوم، وطرح أسئلة لا تزال تجد صداها في قضايا العصر الحديث.