في تحرك دبلوماسي يحمل أبعادًا تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، استقبل الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الاثنين 2 نوفمبر، نظيره السوداني محيي الدين سالم، بالقاهرة، على هامش الجولة الثالثة لمشاورات آلية «2+2» لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، في لقاء يأتي وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك ملفات الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.

وعكس اللقاء حرص القاهرة والخرطوم على الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تنسيقًا في مواجهة التحديات المشتركة، حيث أكد عبد العاطي عمق الروابط التاريخية بين شعبي وادي النيل، مشددًا على استمرار دعم مصر لجهود إعادة الإعمار وتنمية البنية التحتية في السودان، والبناء على مخرجات القمة الرباعية التشاورية التي استضافتها مدينة العلمين.

وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، جدد وزير الخارجية المصري التأكيد على موقف القاهرة الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية، رافضًا أي تدخلات خارجية في شؤونه الداخلية، ومؤكدًا ضرورة أن يكون الحل السياسي نابعًا من إرادة السودانيين أنفسهم، مع دعم جهود الرباعية الدولية لإنهاء الصراع واستعادة الأمن والاستقرار.

من جانبه، ثمّن وزير الخارجية السوداني الموقف المصري الداعم لبلاده، مشيدًا بالجهود التي تبذلها القاهرة للحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، ومؤكدًا أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين في مختلف الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

مصر والسودان يؤكدان تعزيز التعاون ودعم إعادة إعمار السودان

لا يمكن قراءة اللقاء باعتباره مجرد مشاورات دبلوماسية تقليدية بين دولتين تجمعهما علاقات تاريخية، فالتوقيت وطبيعة الملفات المطروحة يكشفان عن أهمية السودان في حسابات الأمن القومي المصري، خصوصًا في ظل اتساع رقعة الصراع وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية في منطقة القرن الأفريقي.

وتدرك القاهرة أن استمرار الحرب السودانية لا يمثل تهديدًا لاستقرار الخرطوم وحدها، بل يفتح المجال أمام تمدد نفوذ قوى خارجية، ويزيد من احتمالات تفكك مؤسسات الدولة، وظهور كيانات موازية، وهو ما قد يحول السودان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بما ينعكس على أمن الحدود الجنوبية لمصر واستقرار منطقة البحر الأحمر وحوض النيل.

ولذلك، فإن تأكيد عبد العاطي الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ورفض التدخلات الخارجية يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن مصر لا تنظر إلى مستقبل السودان باعتباره شأنًا داخليًا منفصلًا عن محيطه، وإنما قضية ترتبط بتوازنات إقليمية تمس أمنها ومصالحها الاستراتيجية.

القاهرة تحذر من التدخلات الخارجية وتتمسك بوحدة السودان ومؤسساته الوطنية

يمثل التأكيد المصري على وحدة السودان وسيادته ورفض التدخل في شؤونه الداخلية رسالة مباشرة إلى القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة، بأن القاهرة ترفض تحويل الأراضي السودانية إلى ساحة لتصفية الحسابات أو فرض ترتيبات سياسية وعسكرية من خارج الإرادة السودانية.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل تعدد الأطراف المتداخلة في الصراع، وما يترتب على استمرار الحرب من مخاطر تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها، فضلًا عن احتمالات امتداد تداعيات الأزمة إلى دول الجوار، وهو ما يجعل الحفاظ على استقرار السودان ضرورة تتجاوز حدوده الجغرافية.

التقارب المصري السوداني يعزز التنسيق في مواجهة التحديات الإثيوبية وملف سد النهضة

تحمل التحركات المصرية السودانية دلالات مهمة بالنسبة إلى إثيوبيا، في ظل استمرار الخلافات حول سد النهضة، وتصاعد التوترات في منطقة القرن الأفريقي، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن التدخل في الصراعات الداخلية ودعم أطراف مسلحة.

فالسودان يمثل طرفًا رئيسيًا في معادلة مياه النيل، وأي حالة من الفوضى أو الانقسام داخل مؤسساته قد تؤثر على قدرة البلدين، مصر والسودان، على تنسيق مواقفهما بشأن القضايا المائية، وفي مقدمتها تداعيات تشغيل سد النهضة الإثيوبي، فضلًا عن إضعاف الموقف المشترك في مواجهة التحديات المرتبطة بإدارة الموارد المائية.

ولا تتوقف الأهمية عند ملف المياه، إذ تزامن التقارب المصري السوداني مع اتهامات سودانية لإثيوبيا بتوفير دعم لوجستي وعسكري لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا، كما سبق أن وجهت القيادة العسكرية الإثيوبية اتهامات إلى مصر والسودان بشأن دعم مجموعات مسلحة تقاتل الحكومة الإثيوبية، وهو ما رفضته القاهرة والخرطوم.

وبالتالي، فإن تعزيز التنسيق بين القاهرة والخرطوم يبعث برسالة مفادها أن أي محاولات لاستغلال هشاشة الأوضاع السودانية أو توظيف الصراع الداخلي لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة لن تكون بعيدة عن حسابات الأمن الإقليمي المصري.

موقف مصر من الكيانات الموازية يضع قوات الدعم السريع أمام ضغوط سياسية

على الجانب الآخر، تمثل مسألة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ورفض التدخلات الخارجية نقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، التي تخوض حربًا مستمرة مع الجيش السوداني منذ أبريل 2023.

فالتأكيد المصري على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، إلى جانب التشديد على أن الحل السياسي يجب أن يكون سودانيًا، يعكس رفضًا لأي مسار يؤدي إلى تقسيم السلطة أو تكريس واقع سياسي قائم على وجود سلطات متنافسة داخل الدولة الواحدة.

وتزداد أهمية هذه الرسالة في ضوء إعلان العلمين الصادر عن القمة الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال في 4 أكتوبر 2026، والذي أكد دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء كيانات موازية، فضلًا عن الرفض القاطع لدعم المرتزقة.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط الضغط السياسي على قوات الدعم السريع؛ فكلما اتسع نطاق التأييد الإقليمي للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، تراجعت فرص فرض أي واقع سياسي موازٍ باعتباره بديلًا عن مؤسسات الدولة القائمة، حتى وإن ظل الحسم العسكري بعيدًا.

ولا يعني ذلك أن اللقاء يمثل إعلان مواجهة عسكرية مع قوات حميدتي، لكنه يوضح أن القاهرة تتمسك بإطار سياسي لا يمنح شرعية لتفكيك الدولة أو تقسيمها، وهو ما يضع مستقبل القوات المسلحة السودانية ومؤسسات الدولة في قلب أي تسوية مقبلة.

مشاورات وزيري الخارجية والري تربط أمن السودان بمستقبل مياه النيل

وتكتسب الجولة الثالثة من مشاورات آلية «2+2» أهمية إضافية لأنها تجمع وزيري الخارجية والري في البلدين، بما يربط بين المسار السياسي والملف المائي، ويؤكد أن التنسيق المصري السوداني لا يقتصر على تطورات الحرب، وإنما يمتد إلى القضايا الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل مياه النيل والأمن المائي للبلدين.

ففي الوقت الذي تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة، يصبح الحفاظ على التنسيق بين القاهرة والخرطوم ضرورة لتجنب تفاقم الأزمات المائية والسياسية، خاصة أن استقرار السودان يمثل عنصرًا أساسيًا في أي تحرك مشترك بشأن قضايا حوض النيل.

وفي النهاية، لا تكمن أهمية اللقاء في التصريحات الدبلوماسية وحدها، بل في الرسالة التي يحملها: مصر تريد سودانًا موحدًا بمؤسسات وطنية قادرة على استعادة الاستقرار، وترفض أن تتحول أراضيه إلى ساحة نفوذ للقوى الإقليمية أو منطلق لتهديد أمن دول الجوار. وهي معادلة تضع إثيوبيا وقوات الدعم السريع أمام حسابات سياسية وإقليمية أكثر تعقيدًا، وتجعل مستقبل السودان جزءًا لا يتجزأ من معركة استقرار القرن الأفريقي وأمن النيل.

استكمالاً للاحداث الجاري يمكنك متابعتنا على الرابط الاتي