في إنجاز صحي جديد يعكس حجم التحول الذي شهدته المنظومة الصحية المصرية خلال السنوات الماضية، أكدت منظمة الصحة العالمية رسميًا استمرار مصر في المستوى الذهبي على مسار القضاء على فيروس التهاب الكبد الوبائي C، لتصبح أول دولة في العالم تنجح في الحفاظ على هذا التصنيف الدولي، بعد مراجعة شاملة لجهودها خلال الفترة من 2023 إلى 2025.

وجاء تأكيد المنظمة عقب اعتماد لجنة التحقق الإقليمية المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد والأمراض المنقولة جنسيًا لهذا الإنجاز في يوليو 2026، قبل الإعلان الرسمي عنه في أكتوبر من العام نفسه، بما يعكس قدرة مصر على تحويل إنجاز صحي استثنائي إلى سياسة مستدامة تتجاوز حدود الحملات المؤقتة.

من معدلات إصابة مرتفعة إلى إنجاز غير مسبوق

لم يكن وصول مصر إلى هذه المرحلة أمرًا سهلًا، فقد عانت البلاد لسنوات طويلة من ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس سي، حتى أصبحت من بين الدول التي سجلت أعلى معدلات انتشار للمرض عالميًا.

وبحسب البيانات المعلنة، بلغت نسبة انتشار الفيروس نحو 10% في عام 2008، لكن مصر نجحت خلال ما يزيد قليلًا على عقد من الزمن في خفض هذه النسبة إلى أقل من 0.38%، في تحول جذري وضعها على طريق القضاء على المرض.

وفي أكتوبر 2023، أعلنت منظمة الصحة العالمية حصول مصر على المستوى الذهبي لأول مرة، باعتبارها أول دولة في العالم تحقق هذا التصنيف وفق معايير المنظمة، التي تقيس التقدم في مجالات الوقاية والكشف عن الإصابات وتوفير العلاج والحد من انتقال العدوى والوفيات.

ولم يتوقف الإنجاز عند الحصول على الشهادة، إذ جاء الحفاظ عليها في 2026 ليؤكد أن التحدي الحقيقي لم يكن الوصول إلى معدلات إصابة منخفضة فحسب، بل ضمان استمرارها ومنع عودة انتشار الفيروس.

100 مليون صحة.. الحملة التي غيرت خريطة المرض في مصر

يمثل نجاح المبادرة الرئاسية «100 مليون صحة» أحد أبرز العوامل التي أسهمت في هذا التحول، بعدما أطلقت مصر واحدة من أوسع حملات الفحص الصحي على مستوى العالم، مستهدفة الوصول إلى المواطنين في مختلف المحافظات، وتسهيل اكتشاف الحالات المصابة وتوفير العلاج لها.

وأسفرت الحملة عن إجراء الفحوصات لأكثر من 60 مليون شخص، وتقديم العلاج لأكثر من 4.5 مليون مصاب بفيروس سي، وهو ما ساعد على اكتشاف أعداد كبيرة من الحالات التي لم تكن تعلم بإصابتها، وفتح الطريق أمام علاجها قبل تطور المرض إلى مراحل أكثر خطورة.

وكان الاعتماد على الأدوية المضادة للفيروسات ذات المفعول المباشر، المنتجة محليًا، من أبرز عناصر نجاح التجربة المصرية، إذ ساهم التصنيع المحلي في توفير العلاج بكميات كبيرة وتكلفة أقل، إلى جانب توسيع نطاق إتاحته للمرضى.

وبذلك لم تقتصر التجربة على علاج المصابين، وإنما امتدت إلى بناء قدرة وطنية على توفير الأدوية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتسهيل الوصول إلى العلاج على نطاق واسع.

أرقام جديدة تكشف استمرار التقدم الصحي

لم تقتصر نتائج التقييم الأخير على الحفاظ على التصنيف الدولي، بل كشفت أيضًا عن استمرار تحسن المؤشرات المرتبطة بمكافحة الفيروس.

فقد انخفض معدل انتشار التهاب الكبد الوبائي C بين الفئات العمرية من 15 إلى 59 عامًا من نحو 0.38% إلى 0.28%، وفق البيانات التي أعلنتها وزارة الصحة بشأن نتائج التقييم.

كما تراجعت الوفيات المرتبطة بالمرض بنسبة 54% مقارنة بعام 2018، في مؤشر يعكس أثر التوسع في الكشف المبكر والعلاج والمتابعة الطبية.

وفي إطار تعزيز سلامة الخدمات الصحية، جرى فحص أكثر من 5.5 مليون وحدة دم خلال الفترة من 2023 إلى 2025، إلى جانب توفير نحو 536 مليون سرنجة آمنة ذاتية التعطيل، بما يدعم منع انتقال العدوى من خلال الممارسات الطبية غير الآمنة.

وتوضح هذه الأرقام أن مكافحة الفيروس لم تعد تقتصر على اكتشاف المصابين وعلاجهم، بل أصبحت تشمل حماية المواطنين من مصادر العدوى المحتملة داخل المؤسسات الصحية.

من حملات الفحص إلى منظومة صحية مستدامة

يمثل التحول من حملات الفحص الجماعي إلى دمج خدمات مكافحة الفيروس داخل النظام الصحي أحد أهم جوانب التجربة المصرية، إذ لم يعد التعامل مع المرض مرتبطًا بمبادرة زمنية محددة، وإنما أصبح جزءًا من الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وتعمل مصر على تعزيز الكشف المبكر وتشخيص الحالات الجديدة وربط المصابين بالخدمات العلاجية، إلى جانب تطوير المعامل الطبية وتحسين جودة الفحوصات وتعزيز أنظمة الترصد الصحي.

كما يجري دمج خدمات مكافحة الالتهاب الكبدي ضمن الرعاية الصحية الأولية ومنظومة التأمين الصحي الشامل، بما يضمن استمرار الوصول إلى الفحص والعلاج، حتى بعد انتهاء الحملات القومية واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، أطلقت مصر الخطة الوطنية لاستدامة القضاء على التهاب الكبد الفيروسي 2025-2030، بهدف الحفاظ على النتائج المحققة ومواصلة خفض معدلات الإصابة والوفيات، وصولًا إلى تحقيق أهداف القضاء على المرض بحلول عام 2030.

لماذا يمثل الإنجاز المصري نموذجًا عالميًا؟ 

تكتسب التجربة المصرية أهميتها من أنها لم تعتمد على إجراء الفحوصات بصورة موسعة فقط، وإنما جمعت بين الإرادة السياسية وتوفير التمويل والتصنيع الدوائي المحلي وتطوير البنية الصحية وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية.

كما أثبتت التجربة أن مواجهة الأمراض واسعة الانتشار تتطلب التعامل مع جميع مراحل المشكلة، بداية من الوقاية والتوعية، مرورًا بالكشف والتشخيص، وصولًا إلى العلاج والمتابعة ومنع انتقال العدوى مرة أخرى.

ويأتي الحفاظ على المستوى الذهبي ليؤكد أن مصر نجحت في تجاوز مرحلة الإنجاز الأولي إلى مرحلة أكثر صعوبة، تتمثل في حماية ما تحقق وضمان استمراره.

لكن رغم هذا التقدم، فإن التصنيف الدولي لا يعني اختفاء فيروس سي بصورة نهائية من البلاد، وإنما يؤكد استيفاء مصر معايير متقدمة على مسار القضاء عليه، وهو ما يجعل مواصلة الفحص والترصد والعلاج ضرورة أساسية خلال السنوات المقبلة.

وبينما كانت مصر تواجه في الماضي أزمة صحية واسعة بسبب انتشار فيروس سي، أصبحت اليوم أول دولة في العالم تحافظ على المستوى الذهبي لمنظمة الصحة العالمية في مسار القضاء عليه، لتقدم تجربة تؤكد أن الاستثمار في الصحة العامة والتخطيط طويل الأجل يمكن أن يحولا واحدة من أعقد المشكلات الصحية إلى قصة نجاح ذات تأثير عالمي.

استكمالاً للاحداث الجاري يمكنك متابعتنا على الرابط الاتي