أكد صندوق النقد الدولي أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتبع نهجًا حذرًا في تحديد توجهات السياسة النقدية، من خلال مراقبة البيانات الاقتصادية وتقييم تطورات التضخم والنمو، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي معادلة صعبة تجمع بين قوة النشاط الاقتصادي واستمرار الضغوط التضخمية، رغم قرار البنك المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
وقالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، خلال إحاطة إعلامية دورية، إن الصندوق يدعم تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، بشأن إعطاء الأولوية لتحقيق استقرار الأسعار، مشيرة إلى أن معدل التضخم العام في الولايات المتحدة لا يزال أعلى من المستهدف البالغ 2%.
وأضافت كوزاك أن الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي يعملان في ظل بيئة اقتصادية تتسم بدرجة كبيرة من عدم اليقين، بعدما قرر البنكان تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعيهما هذا الأسبوع، وهو ما يجعل متابعة البيانات الاقتصادية وتقييمها أمرًا ضروريًا قبل اتخاذ أي قرارات جديدة بشأن السياسة النقدية.
وأوضحت أن الاحتياطي الفيدرالي يتبنى نهجًا يعتمد على البيانات في تحديد خطواته المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وتصاعد المخاطر المرتبطة بارتفاع التضخم، مؤكدة أهمية مواصلة التركيز على استقرار الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة عند الحاجة للسيطرة على الضغوط التضخمية.
نمو الاقتصاد الأمريكي يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة
وفيما يتعلق بأداء الاقتصاد الأمريكي، أشارت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي إلى أن النشاط الاقتصادي لا يزال يسجل نموًا قويًا، مدفوعًا بمتانة الاستهلاك الخاص وزيادة الاستثمارات، رغم ارتفاع أسعار النفط واستمرار الضغوط التضخمية.
ولفتت إلى أن مكاسب الإنتاجية تمثل أحد العوامل الرئيسية الداعمة للنمو، إذ ارتفع الناتج لكل ساعة عمل بنسبة 2.5% على أساس سنوي، متجاوزًا المستويات المسجلة قبل جائحة كورونا، فضلًا عن معدلات الإنتاجية في عدد من الاقتصادات الأخرى.
لكن كوزاك حذرت من أن هذه المكاسب لا تزال تتركز في نطاق محدود من القطاعات، لا سيما التكنولوجيا، التي استفادت من الارتفاع الكبير في أسواق الأسهم، مشددة على ضرورة توسيع نطاق الاستفادة من تحسن الإنتاجية حتى يصبح محركًا أكثر استدامة للنمو الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات وزارة التجارة الأمريكية أن الاقتصاد سجل خلال الربع الثالث أسرع وتيرة نمو في عام، مدعومًا باستمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي وتوسع الشركات في استثمارات الذكاء الاصطناعي، بما ساعد على الحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات والصراع في الشرق الأوسط.
وجاء صدور التقدير الأولي للناتج المحلي الإجمالي قبل أقل من أسبوع من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي تمثل محطة سياسية مهمة لتحديد موازين القوى داخل الكونجرس.
التضخم يعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة في ديسمبر
وعلى الرغم من مؤشرات النمو الإيجابية، فإن استمرار ارتفاع التضخم واتساع نطاقه يضعان الاحتياطي الفيدرالي أمام ضغوط متزايدة، خاصة مع صدور بيانات أظهرت تسارع وتيرة التضخم خلال سبتمبر، بالتزامن مع إعلان أرقام النمو الاقتصادي.
ويرى اقتصاديون أن قوة الأداء الاقتصادي، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية، قد تعزز المبررات المؤيدة لاتجاه الاحتياطي الفيدرالي نحو رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر في ديسمبر المقبل، في محاولة لاحتواء ارتفاع الأسعار ومنع ترسخ الضغوط التضخمية.
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد قرر، الأربعاء، الإبقاء على سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة دون تغيير، ضمن نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، مع إقراره بأن التضخم لا يزال مرتفعًا، في إشارة إلى استمرار التحديات التي تواجه صناع السياسة النقدية.
وتكشف هذه التطورات عن صعوبة الموازنة بين هدفين متعارضين نسبيًا؛ أولهما الحفاظ على زخم النمو الاقتصادي وعدم الإضرار بالإنفاق والاستثمار، وثانيهما كبح التضخم الذي لا يزال يتجاوز المستهدف، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثر الأسواق بالتوترات الجيوسياسية.
ومن ثم، تبدو البيانات الاقتصادية المقبلة، ولا سيما مؤشرات التضخم وسوق العمل والنمو، العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، وسط ترقب لقرار اجتماع ديسمبر وما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيواصل تثبيت الفائدة أم يتجه مجددًا إلى التشديد النقدي.
