قال فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، إن قضية الأسرة ليست مجرد قضية اجتماعية جزئية، بل هي في جوهرها قضية بناء الإنسان وصناعة مستقبل المجتمعات؛ فهي المحضن الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وتتأصل في وجدانه معاني الرحمة والمسؤولية والانتماء. وأكد فضيلته أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن بناء الإنسان يبدأ من الأسرة؛ ومن ثم فإن صيانة الأسرة لا تعني حماية كيان اجتماعي فحسب، بل تمثل حماية لأمن المجتمع واستقراره وهويته ومستقبله.

جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها فضيلته ضيفَ شرف في الجلسة الافتتاحية لاحتفالية «عشرون عامًا من الشراكة الاستراتيجية من أجل السكان والأسرة العربية»، التي تنظمها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، ممثلة في قطاع الشؤون الاجتماعية، بالشراكة مع معهد الدوحة الدولي للأسرة، يومي 4 و5 نوفمبر 2026، بمناسبة مرور عشرين عامًا على الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، وذلك بحضور عدد من كبار المسؤولين والخبراء والمتخصصين في قضايا السكان والأسرة والتنمية الاجتماعية من مختلف الدول العربية.

خدمة الأسرة وتعزيز استقرارها

وفي مستهل كلمته، أعرب فضيلة مفتي الجمهورية عن تقديره للدعوة الكريمة للمشاركة في الاحتفاء بمرور عشرين عامًا على الشراكة الاستراتيجية بين جامعة الدول العربية ومعهد الدوحة الدولي للأسرة، مثمنًا الجهود التي بذلها الجانبان على مدى عقدين في خدمة الأسرة وتعزيز استقرارها. وأوضح أن أهمية هذه المناسبة لا تقتصر على استعراض مسيرة التعاون بين الجانبين، بل تمتد إلى إبراز ما أثمرته هذه الشراكة من أطر عملية ومبادرات تنفيذية ومشروعات أسرية نوعية، نجحت في الانتقال من حيز التصورات النظرية إلى ميدان التطبيق العملي، وأسهمت في تعزيز الاستقرار الأسري وتصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بقضايا الأسرة المعاصرة. 

القيمة الحقيقية لأي شراكة مؤسسية تكمن في أثرها الملموس في واقع الأسرة والمجتمع

وشدد فضيلته على أن القيمة الحقيقية لأي شراكة مؤسسية تكمن في أثرها الملموس في واقع الأسرة والمجتمع، وأن الجهود لا تُقاس بحجم المساعي المبذولة وحده، وإنما بما تحققه من نتائج إيجابية تنعكس على حياة الناس، وتسهم في ترسيخ الاستقرار الأسري والمجتمعي، موضحًا أن الأسرة تواجه في المرحلة الراهنة تحديات جسامًا تمس منظومة القيم الأسرية وتؤثر فيها بصورة مباشرة، وتتزايد خطورتها في ظل تسارع الأحداث الدولية، وتنامي تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامجه وأدواته، التي باتت تتسلل إلى الحياة الأسرية وتؤثر في أنماط التفاعل داخلها، فضلًا عن محاولات تغيير المفاهيم الأسرية الراسخة التي تشكلت عبر أجيال متعاقبة، والحروب والصراعات التي تثقل كاهل الأسر وتشتت شملها، وما تروجه بعض وسائل التواصل الاجتماعي من مفاهيم مغلوطة ووعي زائف بشأن قضايا الأسرة واستقرارها، مشددًا على أن مواجهة هذه التحديات تستلزم تضافر الجهود وتكامل الأدوار من أجل تعزيز تماسك الأسرة ودعم قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات والحروب والصراعات، مؤكدًا أن تقدم المجتمعات لا ينبغي أن يُقاس بما تحققه من إنجازات مادية وتقنية فحسب، بل أيضًا بقدرتها على صون القيم الإنسانية وتحقيق التوازن بين التقدم المادي والتماسك المجتمعي. وتساءل فضيلته: «ما قيمة أن تتقدم أدوات الحياة إذا تراجعت معانيها، أو أن تتسع وسائل الاتصال إذا ضاقت مساحات التواصل والرحمة داخل الأسرة الواحدة؟»، مؤكدًا أن الاستثمار في استقرار الأسرة ووعيها ليس ترفًا اجتماعيًّا أو استجابة عابرة لأزمة طارئة، بل هو استثمار في الإنسان الذي تقوم عليه نهضة الأوطان، وفي القيم التي تحفظ للمجتمعات تماسكها، وللحضارة معناها وغايتها.

جهود دار الإفتاء المصرية في دعم الأسرة وتعزيز استقراره

واستعرض فضيلة مفتي الجمهورية جهود دار الإفتاء المصرية في دعم الأسرة وتعزيز استقرارها، موضحًا أن الدار تضطلع بدور محوري في دعم رسالتها الدينية والعلمية والمجتمعية، من خلال تقديم خدمات وبرامج نوعية تستجيب لاحتياجاتها، وتعزز الوعي الديني الرشيد بقضاياها، وتوفر منهجيات عملية لمعالجة الخلافات الأسرية والزوجية، وترسخ ثقافة الحوار والتفاهم، فضلًا عن تنمية القدرات العلمية والمهنية عبر برامج تدريبية متخصصة، مشيرًا إلى أن من أبرز هذه الجهود إطلاق مركز «سَكَن» لشؤون الأسرة في أغسطس 2026، امتدادًا لمخرجات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية المعني بقضايا الأسرة، وتجسيدًا لجهود الدار في تطوير منظومة متكاملة للعناية بالأسرة المصرية، ودعم استقرارها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المعاصرة، في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية السمحة ومقاصدها، موضحًا أن المركز يستهدف الإسهام في بناء أسرة مستقرة ومتماسكة، من خلال تقديم خدمات إفتائية وإرشادية ووقائية وبحثية متخصصة، تجمع بين التأصيل الشرعي والاستفادة من الخبرات النفسية والاجتماعية، وتستجيب للتحولات المؤثرة في بنية الأسرة ووظائفها، بما في ذلك التحديات الاقتصادية والثقافية والرقمية.

دور وحدة الإرشاد الزواجي التابعة لمركز «سَكَن» بدار الإفتاء المصرية

كما تناول فضيلته دور وحدة الإرشاد الزواجي التابعة لمركز «سَكَن» بدار الإفتاء المصرية، باعتبارها إحدى الوحدات المتخصصة في دعم استقرار الأسرة المصرية، من خلال تقديم جلسات الإرشاد الزواجي، والمساهمة في معالجة الخلافات بين الزوجين، وتوفير التوجيه الشرعي المتخصص، بما يعزز التفاهم بينهما ويحد من النزاعات الأسرية، مشيرًا إلى أن دور الوحدة يمتد إلى التوعية والتدريب، من خلال البث المباشر عبر المنصات الرقمية للدار، وتأهيل المتخصصين وإكسابهم المهارات العملية اللازمة للإرشاد الزواجي، بالتعاون مع إدارة التدريب.

ولفت فضيلته إلى جهود وحدة «حوار»، بوصفها إحدى الوحدات المتخصصة في التعامل مع التساؤلات والإشكالات الفكرية والدينية والاجتماعية، من خلال الحوار العلمي والمنهج الشرعي الرشيد، بما يسهم في تصحيح المفاهيم، وتعزيز الوعي الديني، والتعامل مع الشبهات والقضايا المؤثرة في الاستقرار الفكري والنفسي والاجتماعي، كما استعرض فضيلته المشروع الاستراتيجي الحضاري الذي أطلقته دار الإفتاء المصرية تحت عنوان «المرجع الإفتائي الدولي (حَصِين)»، مشروع القرن الإفتائي الذي أعدَّ ليكون حصنًا رقميًّا آمنًا يعزز وعي الأسرة، مؤكدًا أن هذا المشروع يتيح لكل أسرة الاستفادة من رصيد يمتد إلى 130 عامًا من التراث الإفتائي الموثق لدار الإفتاء المصرية، بما يعزز إتاحة المعرفة الإفتائية الموثوقة، ويدعم قدرة الأسرة على الوصول إلى الفهم الصحيح للقضايا والتساؤلات التي تواجهها.

حرص الدار على الإسهام الفاعل في الجهود المؤسسية العربية الرامية إلى دعم الأسرة وتعزيز استقرارها

وأكد فضيلته أن هذه المبادرات والجهود التي تضطلع بها دار الإفتاء المصرية تأتي في إطار التكامل مع الشراكة الاستراتيجية بين جامعة الدول العربية ومعهد الدوحة الدولي للأسرة، وتعكس حرص الدار على الإسهام الفاعل في الجهود المؤسسية العربية الرامية إلى دعم الأسرة وتعزيز استقرارها، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة في هذا المجال.

وفي ختام كلمته، أعلن فضيلة مفتي الجمهورية استعداد دار الإفتاء المصرية للتعاون الجاد والتكامل المؤسسي والمشاركة الفاعلة في تنفيذ «الدليل الاسترشادي لتأهيل المقبلين على الزواج»، الذي يُنتظر أن تفضي الاحتفالية إلى وضع خارطة طريق تنفيذية لتفعيله، ودعم بناء برامج وطنية إلزامية أو اختيارية في هذا المجال. وأوضح فضيلته أن دار الإفتاء المصرية تمتلك رصيدًا معرفيًّا وخبرة عملية واسعة في مجال تأهيل المقبلين على الزواج، من خلال مركز «سَكَن» وخدمات الإرشاد الزواجي، كاشفًا عن أن المركز تعامل مع 8817 حالة خلال الفترة من 12 أغسطس 2024 حتى 31 أغسطس 2026، فيما بلغ إجمالي الساعات التدريبية المنفذة خلال عامي 2025 و2026 نحو 494 ساعة تدريبية. وأكد استعداد الدار لوضع هذا الرصيد المعرفي والخبرة العملية في خدمة الجهود العربية المشتركة، بما يسهم في دعم استقرار الأسرة، وتأهيل المقبلين على الزواج، وتعزيز فرص بناء حياة أسرية قائمة على الوعي والتفاهم والمسؤولية.

جدير بالذكر أن الاحتفالية تهدف إلى الاحتفاء بمسيرة عشرين عامًا من الشراكة الاستراتيجية بين جامعة الدول العربية ومعهد الدوحة الدولي للأسرة، واستعراض المبادرات والإنجازات المشتركة ودورها في تطوير السياسات والتشريعات الأسرية في العالم العربي، إلى جانب مناقشة التحديات التي تواجه الأسرة العربية، وفي مقدمتها تداعيات الحروب والصراعات المسلحة والنزوح القسري والأزمات الصحية والاقتصادية، وبحث سبل تعزيز الحماية الاجتماعية ودعم صمود الأسرة.