في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تصاعدت التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لا سيما مع بروز مواقف أمريكية بدت أكثر تحفظًا تجاه السياسات الإسرائيلية، مقابل انفتاح متزايد على تعزيز الشراكات مع قوى إقليمية أخرى، في مقدمتها السعودية، إلى جانب السعي لضبط إيقاع التحركات الإسرائيلية في الساحة السورية. هذا المشهد أعاد طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام تغير في الموقف الأمريكي أم إعادة ترتيب للأولويات؟
في هذا السياق، يرى السفير جمال بيومي، وزير الخارجية الأسبق، أن الحديث عن تغيير جذري في الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل غير دقيق، موضحًا أن السياسة الأمريكية تعاني من قدر كبير من الارتباك والتضارب. ويؤكد بيومي أن واشنطن تجد نفسها عالقة بين التزاماتها الاستراتيجية تجاه إسرائيل، وعلاقاتها الاستراتيجية مع دول محورية في المنطقة مثل مصر، فضلًا عن الضغوط المتزايدة من الرأي العام الأمريكي والدولي. واعتبر أن هذا الارتباك دفع الإدارة الأمريكية إلى طرح مبادرات ثم التراجع عنها، في محاولة لاحتواء الغضب الدولي دون كسر التحالف مع تل أبيب.
هل تراجعت مكانة إسرائيل لدى واشنطن؟
رغم الخلافات العلنية التي برزت مؤخرًا بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة العمليات العسكرية واتساع رقعتها، فإن مكانة إسرائيل داخل الاستراتيجية الأمريكية لم تشهد تراجعًا جوهريًا. اللواء أركان حرب شبل عبد الجواد، الخبير العسكري، يرى أن ما تقوم به الولايات المتحدة هو ممارسة ضغوط محسوبة على إسرائيل بهدف منع إشعال المنطقة بالكامل، والخشية من توسع الحرب لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، خاصة إيران.
ويؤكد عبد الجواد أن هذه الضغوط لا تعني تخليًا أو تراجعًا عن إسرائيل، بل تندرج في إطار الحفاظ على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، موضحًا أن إسرائيل ستظل الذراع الرئيسية لواشنطن في المنطقة، وأن أي حديث عن تخلي أمريكا عنها هو قراءة غير واقعية لطبيعة العلاقات الدولية.
من الدعم المطلق إلى إدارة الخلاف
التحول الأبرز في السياسة الأمريكية لا يتمثل في وقف الدعم، بل في طريقة إدارة الخلاف مع إسرائيل. السفير جمال بيومي شدد على أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يزال بمثابة "شيك على بياض"، مستشهدًا بحزم المساعدات المالية والعسكرية التي قدمتها واشنطن لتل أبيب، حتى في أوقات كانت تعاني فيها الحكومة الإسرائيلية من أزمات مالية داخلية.
وفي الاتجاه ذاته، توضح الباحثة في الشؤون السياسية والدولية ضحى هلال أن الدعم الأمريكي لم يعد غير مشروط بالمعنى العملي، لكنه لم يتحول أيضًا إلى دعم انتقائي. فواشنطن تميز بين الدعم الوجودي المرتبط بأمن إسرائيل وتفوقها العسكري، وبين التحفظ على بعض السياسات التكتيكية التي قد تُلحق ضررًا بالمصالح الأمريكية الأوسع. وتؤكد أن الخلافات تُدار عبر قنوات مغلقة وضغوط سياسية، دون المساس بالبنية الصلبة للتحالف.
لماذا تعزز واشنطن علاقاتها مع السعودية؟
في المقابل، تبرز السعودية كركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية الراهنة. السفير جمال بيومي يرى أن الدور السعودي شهد تحولًا ملحوظًا في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث باتت الرياض أكثر فاعلية وحضورًا في الملفات الإقليمية، خاصة في جهود الوساطة ومحاولات إنهاء الصراعات.
من جانبه، يشير اللواء شبل عبد الجواد إلى أن التحالف الأمريكي مع السعودية ودول الخليج يقوم على مصالح استراتيجية واضحة، تشمل صفقات السلاح، والقواعد العسكرية، وضمان النفوذ الأمريكي في المنطقة، مؤكدًا أن هذا التقارب لا يأتي على حساب إسرائيل، بل يجري ضمن معادلة دقيقة تحافظ على التفوق الإسرائيلي النوعي.
وتؤكد الباحثة ضحى هلال أن تعزيز العلاقة مع الرياض لا يعكس تغييرًا في التحالفات بقدر ما يعكس توسيع دائرة الاعتماد الأمريكي، حيث تمثل السعودية عنصرًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة واحتواء التمدد الإيراني وبناء توازنات إقليمية قادرة على امتصاص الصدمات.
سوريا… لماذا تكبح واشنطن التحركات الإسرائيلية؟
في الساحة السورية، يظهر الحذر الأمريكي بوضوح تجاه أي تصعيد إسرائيلي واسع. السفير جمال بيومي يربط هذا الموقف بخشية واشنطن من أن يؤدي التدخل الإسرائيلي المباشر إلى تعبئة الرأي العام العربي ضد الولايات المتحدة، على غرار ما حدث في تجارب سابقة، فضلًا عن تعقيد المشهد في ظل الوجود الروسي والإيراني.
وتوضح ضحى هلال أن الضغوط الأمريكية على إسرائيل في سوريا ترتبط بمخاطر الاحتكاك مع روسيا أو إيران، إلى جانب سعي واشنطن لإدارة الملف السوري بأدوات منخفضة الكلفة. وترى أن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح جبهة إضافية تُربك الحسابات الأمريكية بدل أن تخدم أهداف احتواء الصراع.
التحول الاستراتيجي الأمريكي… إدارة النفوذ بدل الحروب
تعكس هذه التطورات تحولًا أعمق في النهج الأمريكي، يقوم على إدارة النفوذ بدل الانخراط المباشر في الحروب. اللواء شبل عبد الجواد يؤكد أن الولايات المتحدة حريصة على حماية مصالحها الكبرى في المنطقة، خاصة في مصر والسعودية ودول الخليج، دون التورط في صراعات مفتوحة قد تستنزف مواردها.
وفي السياق نفسه، تشير ضحى هلال إلى أن السياسة الأمريكية الحالية تعتمد على مزيج من الردع غير المباشر، والشراكات الإقليمية، والعمل الاستخباراتي، والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، وهو نموذج يخفف العبء العسكري لكنه يفرض قيودًا واضحة على تحركات الحلفاء.
إلى أين تتجه السياسة الأمريكية في المنطقة؟
في تقييمهم للمسار المستقبلي للسياسة الأمريكية، يتفق عدد من الخبراء على أن واشنطن تتجه نحو إدارة أكثر حذرًا وتعقيدًا للمنطقة. السفير جمال بيومي يرى أن الولايات المتحدة ستستمر في دعم إسرائيل باعتبارها حليفًا استراتيجيًا لا غنى عنه، لكن مع السعي في الوقت نفسه إلى تجنب الانجرار وراء سياسات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع الرأي العام العربي أو المجتمع الدولي، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطًا سياسية أكبر ومحاولات لاحتواء الأزمات بدل تفجيرها.
من جانبه، يؤكد اللواء أركان حرب شبل عبد الجواد أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على الحفاظ على توازن دقيق بين الحلفاء، بحيث لا يُسمح لأي طرف بفرض وقائع عسكرية قد تُربك الحسابات الأمريكية أو تُهدد المصالح الأوسع في المنطقة، مشيرًا إلى أن واشنطن ستواصل لعب دور «منظّم الصراعات» أكثر من كونها طرفًا منخرطًا فيها.
وفي السياق ذاته، ترى الباحثة في الشؤون السياسية والدولية ضحى هلال أن السياسة الأمريكية تتجه نحو توسيع شبكة الشراكات الإقليمية وتقليل الاعتماد على حليف واحد، مع التركيز على أدوات النفوذ غير العسكرية، مثل الدبلوماسية والضغط الاقتصادي وبناء التوازنات، وهو ما يعكس تحولًا استراتيجيًا طويل المدى أكثر منه موقفًا عابرًا مرتبطًا بظرف سياسي أو حكومة بعينها.
