لا أعتقد أن المكسب الحقيقي للمباراة الأخيرة كان فقط في تحقيق الفوز أو الاقتراب من حلم كأس العالم، رغم أهمية ذلك وما يحمله من مشاعر فخر وسعادة للمصريين. فهناك مكسب آخر ربما لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر دلالة من الناحية النفسية والاجتماعية.

لساعات طويلة انشغل ملايين المصريين بحدث واحد يجمعهم. تابعوا، ناقشوا، تشاركوا المشاعر والتوقعات والفرحة والقلق. وفي خضم هذا الانشغال الجماعي، حدث أمر يستحق التأمل؛ فقد تراجع الحضور الطاغي للأخبار السلبية، واختفت مؤقتًا حالة الترقب المستمر لكل حادثة أو أزمة أو جدل جديد على مواقع التواصل الاجتماعي.

والحقيقة أن هذه الساعات لم تكن خالية من الأحداث السلبية. فمن المؤكد أن حوادث وقعت، ومشكلات حدثت، وربما ارتكبت جرائم أيضًا، كما يحدث كل يوم. لكن الفارق أن الناس لم تمنحها المساحة نفسها من الانتباه والتفاعل والتحليل وإعادة النشر.

وهنا تبرز ملاحظة نفسية مهمة؛ فالكثير مما نعتبره اهتمامًا بالأحداث الجارية ليس دائمًا ناتجًا عن أهمية هذه الأحداث، بل أحيانًا يكون انعكاسًا لحالة من الفراغ المعرفي أو النفسي أو الاجتماعي. فكلما زادت المساحات الخالية في حياة الإنسان، ازداد استهلاكه للمحتوى، سواء كان مفيدًا أو غير مفيد، مهمًا أو تافهًا، إيجابيًا أو سلبيًا.

لقد كشفت لنا المباراة تجربة حية تستحق التوقف عندها. فعندما امتلأ الوقت بحدث حقيقي، وتحوّل الاهتمام إلى مشاركة واقعية بين الناس، تراجعت الحاجة إلى التصفح العشوائي، وانخفض الانشغال بكل ما يُعرض على الشاشات.

ولعل المشكلة التي نواجهها اليوم ليست في كثرة الأخبار أو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها. فقد أصبح كثيرون يعيشون في حالة استهلاك متواصل للمعلومات دون أن يقابل ذلك إنتاج أو مشاركة حقيقية في الحياة الواقعية. نتابع عشرات القصص يوميًا، ونخوض نقاشات لا تنتهي حول قضايا لا نملك التأثير فيها، ونستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة النفسية في التعليق والتحليل وإصدار الأحكام.

وفي المقابل، تتراجع أحيانًا المساحات المخصصة للعلاقات الإنسانية المباشرة، والهوايات، والعمل التطوعي، والأنشطة الثقافية، والأهداف الشخصية التي تمنح الحياة معنى وقيمة.

ومن منظور علم النفس، لا يمثل الفراغ غياب العمل فقط، بل قد يتمثل في غياب الهدف والمعنى. فالإنسان عندما يجد ما يشغله حقًا، وما يشعره بالإنجاز والانتماء والمشاركة، لا يحتاج إلى قضاء ساعات طويلة في متابعة كل ما يمر أمامه على شاشة الهاتف.

لقد ذكّرتنا تلك الساعات بأن الواقع لا يزال قادرًا على جذب انتباهنا متى وجدنا فيه ما يستحق الاهتمام. وذكّرتنا أيضًا بأن جزءًا كبيرًا من الضغوط النفسية التي نعاني منها يرتبط بالإفراط في استهلاك الأخبار السلبية والجدالات اليومية التي لا تنتهي.

ربما لهذا السبب لم يكن المكسب الحقيقي في تلك الليلة داخل الملعب فقط، بل خارج الملعب أيضًا؛ حين اجتمع الناس حول تجربة إنسانية مشتركة، وعادوا لبعض الوقت إلى الحياة الواقعية، تاركين العالم الافتراضي في مقاعد المتفرجين.

فحين يمتلئ الواقع بالحياة، تتراجع الحاجة إلى الهروب إلى الشاشة والإفتراض.