لا يمكن قراءة افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية "الأوكتاجون" باعتباره مجرد افتتاح لمنشأة أو لمقر حكومي جديد، لأن مثل هذه المنشأت، لا تبنى لتؤدي دور إداري فقط، ولكنها تعكس رؤية الدول لطبيعة البيئة الأمنية التي تتحرك فيها إقليميا ودوليا، لهذا فإن القيمة الحقيقية "للأوكتاجون" لا تكمن في مساحة المبنى أو تصميمه المعماري، وإنما في مفهوم إدارة مصر لأمنها القومي في عصر تغيرت فيه أدوات الصراع، وأصبح التفوق مرهون بالتكنولوجيا وسرعة اتخاذ القرار، أكثر من ارتباطه بحجم الجيش أو عدد الأسلحة وتنوعها.
وبدراسة الحالة المصرية، نجد أن عمقها الإقليمي وبعدها الدولي، يشهد في السنوات الأخيرة حالة من السيولة في الأحداث غير المسبوقة، بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية، مرورا بالحرب في قطاع غزة، وصولا إلى المواجهات غير المباشرة التي استمرت بين إسرائيل وإيران لفترات طويلة، والتي انتهت بحرب مباشرة كادت أن تصل إلى نيران تحرق منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن الاضطرابات على حدودها في ليبيا والسودان، وهي جميعها أزمات كشفت أن التهديدات كبيرة، وتتطلب منظومة قيادة قادرة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار في وقت قياسي، وهو ما يجعل الاستثمار في مراكز القيادة المتطورة جزءا هاما في إدارة الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديدات يصعب التعامل معها، ولعل هذا هو أبرز الدروس التي فرضتها الحروب الأخيرة أن مفهوم القوة نفسه يشهد تحولا، فالغلبة لم تعد تحسم فقط بعدد الدبابات أو الطائرات أو الأساطيل البحرية، وإنما بامتلاك شبكات أمنية، ومعلومات استخباراتية دقيقة.
كما أنه لا يمكن قصر الأمر على الجانب العسكري وحده، لكن طبيعة الأزمات الحالية تؤكد أن تداخل الأمن القومي مع الاقتصاد والأمن السيبراني، يفرض وجود مؤسسة أمنية بمفهوم العصر الرقمي قادرة على التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة عند إدارة الأزمات، لأن التهديدات قد تبدأ بهجوم إلكتروني يستهدف البنية التحتية، أو بأزمة اقتصادية، أو بحملة معلومات مضللة تستهدف، وهو ما يستدعي وجود مؤسسة أمنية تعتمد على سرعة تبادل المعلومات بين مختلف الجهات، لذلك فإن دلالة "الأوكتاجون" هي رسالة أن مصر تدرك أن إدارة أمنها القومي، لا يعتمد فقط على ما تملكه من أسلحة عسكرية، بل على ما سرعة التعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديدات.
وفي النهاية، فإن "الأوكتاجون" هو فلسفة جديدة في إدارة مصر لأمنها القومي، فلسفة تناسب عصرا تدار فيه الصراعات بالمعلومات قبل السلاح، وبالتكنولوجيا قبل الصواريخ والدبابات، فلسفة تعكس أن الدولة المصرية تدرك طبيعة الحروب الجديدة، التي أصبحت ساحتها التكنولوجيا، وخطتطها هي سرعة اتخاذ القرار، وهذه العناصر ستظل لعقود مقبلة المحدد الرئيسي لمكانة الدول وقدرتها على حماية مصالحها في عالم أكثر وحشية مما مضى.
