لم تعد واقعة زيارة محافظ القليوبية لإحدى المدارس وما صاحبها من توبيخ لمديرة المدرسة ومعلم مجرد مشهد عابر من جولة تفقدية؛ فقد تحولت إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إدارة الدولة لمرفق التعليم، وبالرسائل التي تصل إلى المعلمين والعاملين فيه.

المحافظ أراد، على الأرجح، أن يرسل رسالة مفادها أن المسؤول التنفيذي موجود في الشارع، وأن المدارس تحت الرقابة، وأن الإهمال لن يمر دون مساءلة. وهذه رسالة في جوهرها مطلوبة؛ فالجولات الميدانية والمحاسبة جزء أصيل من الإدارة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المساءلة إلى توبيخ علني أو انتقاص من كرامة الموظف العام.

فهل من مهام المحافظ أن يحاسب؟ نعم.

وهل من مهامه أن يلفت نظر المسؤولين إلى أوجه القصور؟ بالتأكيد.

لكن هل يدخل ضمن صلاحياته أن تتحول المحاسبة إلى أسلوب يتجاوز مقتضيات الاحترام الوظيفي أو يمس كرامة موظفين عموميين أمام الكاميرات؟ هنا يجب أن تكون الإجابة مختلفة.

الدولة القوية لا تحتاج إلى إهانة موظف حتى تثبت هيبتها، والإدارة الحازمة لا تعني بالضرورة الإدارة الغاضبة.

وفي المقابل، جاء تكريم وزير التربية والتعليم للمديرة والمعلم ليحمل رسالة مختلفة تمامًا: أن المعلم ومدير المدرسة يستحقان التقدير، وأن ما يبذلانه من جهد لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للإدانة العلنية.

لكن السؤال الأهم: ماذا كانت الرسالة التي وصلت إلى المجتمع بعد الجمع بين المشهدين؟

المواطن رأى مسؤولًا تنفيذيًا يعنف أو يوبخ، ثم رأى الوزير يكرم من تعرضوا لذلك.

قد يقرأ البعض المشهد باعتباره انتصارًا لكرامة المعلم، وهو أمر إيجابي.

لكن قراءة أخرى أكثر خطورة قد تقول إن مؤسسات الدولة نفسها لا تتحدث باللغة ذاتها.

المحافظ يقول: هناك تقصير ويجب المحاسبة.

والوزير يقول: هناك جهد يستحق التكريم.

والسؤال هنا ليس: من منهما على حق؟

بل: أين كانت الحقيقة المؤسسية التي كان يجب أن تسبق المشهدين؟

إذا كانت المديرة مقصرة، فلتُحاسب وفق قواعد واضحة وإجراءات قانونية.

وإذا كانت قد أنفقت من مالها الخاص أو بذلت جهدًا استثنائيًا، فلتُكرم على ذلك.

أما أن تتحول القضية إلى مواجهة شخصية أمام الرأي العام، ثم يأتي التكريم كرد فعل عليها، فهذا لا يبني منظومة تعليمية أكثر كفاءة.

والأخطر أن يتحول التعليم إلى سلسلة من الأزمات الإعلامية: جولة لمحافظ، فيديو ينتشر، غضب على مواقع التواصل، رد من النقابة، ثم تكريم أو اعتذار أو تدخل وزاري.

هل هذه هي الطريقة التي نريد بها إدارة التعليم؟

التعليم أكبر من فيديو ترند، وأكبر من مشهد توبيخ أو تكريم.

المطلوب أن نتعامل مع قضايا التعليم باعتبارها أزمات مؤسسية تحتاج إلى حلول مستدامة، لا أحداثًا موسمية تنتظر انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تتحرك الدولة.

فإذا كانت المشكلة في النظافة، نحتاج إلى منظومة نظافة.

وإذا كانت المشكلة في تمويل المدارس، نحتاج إلى آلية تمويل واضحة.

وإذا كان المدير يتحمل مسؤوليات تفوق صلاحياته وموارده، فعلينا أن نراجع توزيع المسؤوليات.

وإذا كان المعلم يعاني من ضغوط وظيفية أو مجتمعية، فعلينا أن نضع سياسات لحمايته وتأهيله ومحاسبته في الوقت نفسه.

المجتمع لا يحتاج إلى مسؤول يصرخ أكثر، ولا إلى مسؤول يكرم أكثر.

المجتمع يحتاج إلى دولة تتفق مؤسساتها على قواعد واحدة للمحاسبة والتقدير.

فالهيبة الحقيقية للدولة ليست في أن يخاف الموظف من المسؤول، وإنما في أن يعرف كل موظف أن هناك نظامًا عادلًا يحاسبه إذا أخطأ، ويحمي كرامته إذا التزم، ويكافئه إذا اجتهد.

وهنا يصبح السؤال الأهم:

متى نتوقف عن إدارة أزمات التعليم بالمشهد، ونبدأ في إدارة التعليم بالسياسة العامة؟

لأن المشكلة الحقيقية ليست في واقعة توبيخ أو واقعة تكريم.

المشكلة أن يتحول كلاهما إلى بديل عن إصلاح المؤسسة التي يعمل فيها هؤلاء جميعًا.

التعليم لا يحتاج إلى منتصر في معركة المحافظ والوزير.

التعليم يحتاج إلى أن ينتصر الطالب والمعلم والمدرسة.