في لحظات فارقة من تاريخ الأمم، تتجلى الإرادة السياسية في صورة مشاريع كبرى تُعيد صياغة الواقع وتفتح أبواب المستقبل، ولعل إنشاء  أكاديمية القضاة بمدينة العدالة  في العاصمة الإدارية الجديدة يُعد من أبرز هذه اللحظات التي تُكتب بمداد الحق على صفحات الوطن. فالمشروع ليس مجرد مبانٍ تُشيّد أو قاعات تُجهّز، بل هو رؤية متكاملة لإعادة الإعتبار إلى العدالة باعتبارها روح المجتمع وميزان استقراره، إذ لا تقوم دولة قوية إلا على عدالة  راسخة تجسّد قيم الإنصاف والمساواة .

 
منذ مؤتمر العدالة عام (1984) بزغت الفكرة كحلم وطني، حين أوصى رجال القضاء بإنشاء مؤسسة متخصصة لتأهيل الراغبين في الإنضمام إلى السلك القضائي، لتكون الدراسة فيها مرحلة تكميلية تجمع بين النظرية والتطبيق والميدان. وعلى مدار العقود، تعاقب وزراء العدل على تطوير المشروع، بدءًا من المستشار فاروق سيف النصر الذي وضع أول مشروع قانون للأكاديمية، مرورًا بالمستشار ممدوح مرعي الذي صاغ الفكرة في إطار تشريعي أكثر وضوحًا، وصولًا إلى المستشار أحمد الزند الذي طرح المشروع رسميًا عام 2016 ونال دعم القيادة السياسية، ليصبح المركز القومي للدراسات القضائية نواة لأكاديمية متكاملة تضم معاهد القضاء والخبراء وأعوان القضاة، وتُشترط الدراسة بها للتعيين في الوظائف القضائية والنيابية والهيئات المعاونة، بما يضمن اختيار قائم على الكفاءة العلمية والأهلية النفسية والبدنية بعيدًا عن أي تمييز.  


ومع تولي المستشار عمر مروان وزارة العدل، اتخذ المشروع خطوات عملية أكثر جدية، حيث وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي المجلس الأعلى للهيئات القضائية عام 2021 بالموافقة على إنشاء مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية، لتكون صرحًا جامعًا لمقار الهيئات القضائية والأكاديمية في منظومة واحدة متكاملة. ثم جاء دور المستشار عدنان فنجري الذي أولى اهتمامًا كبيرًا باستكمال إنشاء المدينة، لتصبح درة مشروعات تطوير العمل القضائي والإداري في مصر، ومركزًا حضاريًا يُجسّد صورة الجمهورية الجديدة.  


وقد جاءت القرارات التاريخية الصادرة في يونيو 2021 لتُرسّخ مبادئ العدالة والمساواة، حيث نصت على تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في تولي الوظائف القضائية، والمساواة المالية بين النظراء في كل جهة وهيئة قضائية تلقائيًا، ومنع التكرار في التعيين لتوسيع فرص الالتحاق بالسلك القضائي، وتحديد الأول من أكتوبر عيدًا للقضاء المصري، فضلًا عن تمكين العنصر النسائي بالتعيين في مجلس الدولة والنيابة العامة ابتداءً من دفعة 2021. هذه القرارات أعادت صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، لتصبح العدالة ركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة.  


إن إنشاء أكاديمية القضاة بمدينة العدالة ليس مجرد مشروع إداري أو قانوني، بل هو حلم وطني طال إنتظاره، يضع مصر في مصاف الدول التي جعلت من العدالة مدرسة تُخرّج رجالها وفق معايير الكفاءة والجدارة العلمية والعملية والأهلية ، وهو خطوة تؤكد الثقة ، وتفتح أبواب المستقبل أمام جيل جديد يحملون على عاتقهم مسؤولية تحقيق العدالة في أبهى صورها. 


وآخيرا وليس آخرا ، تبدو  اكاديمية القضاة  كقصيدة تُكتب بمداد الحق على صفحات الوطن، وكأنها وعد بمستقبل تُصاغ فيه العدالة بمداد الإنصاف، وتُشيّد فيه الجمهورية الجديدة على دعائم الحق والشفافية، لتظل مصر منارةً للعدل كما كانت منارةً للحضارة،شاهدًا على أن العدالة هي أساس الإستقرار ، وأن الحق وحده هو الذي يبني الأوطان