سارة ، فتاة جميلة وطيبة، لكنها عاشت كابوسًا لا يمكن تصديقه.
رغم ان عاشت سارة في قرية صغيرة ، بمحافظة قنا لكن لم يسمع أحد صرخاتها، ولم يشعر أحد بوجعها. طوال الوقت، كانت وحدها في مواجهة ألم لا يطاق، وفي مواجهة ظلم لم يرحم قلبها الصغير.
الأب، الذي كان من المفترض أن يكون ملاذها وأمانها، تحوّل إلى جلادها. صمّم لها غرفة مظلمة محكمة الإغلاق، لم تصلها الشمس، مجردة من أي وسائل الحياة الأساسية، قيدها بسلاسل، وحفر لها حفرة صغيرة لتقضي حاجتها فيها. كانت هذه الغرفة هي حياتها، الجدران هي كل ما تعرفه، والوقت اختفى معها، لم تعد تعرف الليل من النهار.
سارة كانت تتوسل إليه، تكرر بصوت خافت “أرحمني يا بابا”، لكنها أدركت بعد فترة أن هذا لم يعد والدها، بل شيطان انتزع الرحمة من قلبه، وتركها تعيش في عذاب مستمر. مع مرور الأيام، انهارت روحها، وتلاشى الأمل من قلبها الصغير. لم تعد تنتظر حماية أمها، أو أن تتحرك زوجة أبيها لإنقاذها، ولا حتى إخوتها. شعرت أنها وحيدة تمامًا، محرومة من كل أمان، محرومة من الحب، محرومة من أبسط حقوقها.
و مرت سنة وشهر كاملين على هذا العذاب، وكل يوم كان يحمل المزيد من الألم واليأس. سارة لم تمت جوعًا أو مرضًا، لكنها ماتت كسرًا لقلبها، وانكسارًا لروحها، من الألم والوحدة والظلم الذي لم يتوقف.
وجاء اليوم المشؤوم، عندما وصلت سارة إلى مستشفى مركز قوص، جثة هزيلة لا تشبه أي إنسان، كأنها خرجت من ساحة حرب. حاول الأب استخراج تصريح الدفن، لكن الأطباء لم يطمئنوا، شكوا في أمرها، وأبلغوا قوات الأمن بوجود شبهة جنائية. وعند التحقيق، حاول الأب الإنكار والتلاعب بالكلمات، لكنه اعترف في النهاية بفعلته البشعة، لتنكشف القصة الحقيقية بعد أن انتهت حياة بريئة.
سارة المسكينة، لم تعش حياة طبيعية منذ البداية، وكانت معلقة بين نزاعات عائلية وخلافات متفككة. وفي النهاية، أخذ الأب الحضانة، ولم تكن تعرف أن هذا سيكون القرار الأسوأ في حياتها. مرت سارة بكل هذا الألم، بلا سند، بلا من ينقذها، بلا من يرفع الظلم عنها.
سارة كانت تنتظر أي علامة على الحياة، أي حركة لطف أو رحمة، وكانت أكثر ما تحيا به تلك اللحظات القليلة التي يأتي فيها والدها محملاً بوجبة صغيرة. لم تكن وجبة حقيقية، بل مجرد لقمات ضئيلة بالكاد تكفي لسد جوعها المؤلم، تُوضع أمامها على الأرض الموحلة أو داخل الغرفة المظلمة، وكأن الحياة نفسها أصبحت سلعة محرمة عليها. كانت تتوسل إليه بعينين مليئتين بالدموع، تتأمل كل لقمة وكأنها وعد بالحياة، تتوسل بصوت خافت: “أرحمني يا بابا، أرجوك…” لكنه لم يكن يسمعها، أو ربما اختار ألا يسمع، تاركًا كل أملها يتلاشى مع كل يوم يمر.
تلك اللقم الصغيرة كانت كل حياتها، كل طعامها، كل ارتباطها بالحياة، وبالرغم من ضآلة الكمية، كانت تحمل معها مزيجًا من الألم واليأس والقهر، فتختلط رائحة الخوف برائحة الطعام، وتصبح كل وجبة تذكيرًا بأنه لم يكن أبًا، بل جلادًا أضاع إنسانيتها قبل أن يقتلها جسديًا وروحيًا
وجاء اليوم المشؤوم، حين وصلت سارة إلى مستشفى مركز قوص، جثة هزيلة، كأنها خرجت من حرب، بلا حياة، بلا ابتسامة، بلا روح. الأب، الذي كان السبب في كل ما حل بها، تقدم بطلب استخراج تصريح الدفن وشهادة الوفاة ليتم دفن ابنته بسرعة، كأن العجلة ستغطي على الجريمة البشعة التي ارتكبها. لكنه لم يحسب أن هناك من سيشُك في أمره، فالأطباء، بحسهم الإنساني وحرصهم على حماية حياة الأبرياء، اوهموه انهم يقومون بالإجراءات و أخذ بعض الوقت وأبلغوا قوات الأمن بوجود شبهة جنائية، ليبدأ التحقيق الحقيقي في مأساة سارة.
في البداية حاول الأب الإنكار والتلاعب بالكلمات، محاولًا الهروب من الحقيقة، لكنه لم يجد مهربًا أمام الأدلة والواقع الذي كشف حجم الجريمة. اعترف في النهاية بكل ما فعل، لتنكشف مأساة فتاة صغيرة لم تنل من الحياة سوى الألم، لتصبح قصتها شاهدة على الظلم والخيانة، وألمًا لكل من تخلى عنها.
سارة لم تعش، ولم تُدفن بسلام، لكنها تركت رسالة صامتة للأجيال: أن الظلم مهما طال، لن يظل مخفيًا، وأن العدالة ستأتي يومًا ما، حتى لو تأخر الزمن. رحمك الله يا سارة، عروسة في الجنة، وحين يُحاسب الظالمون عند الله، ستجدين السلام الذي حُرمت منه في حياتك
رحمك الله يا سارة، عروسة في الجنة، وحين يجتمع كل الظالمين أمام عدله، ستجدين السلام الذي حرمتِ منه في الحياة
