منذ اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران، اتبعت القيادة الإيرانية نهجًا مختلفًا نسبيًا عن الأساليب التي اعتادت عليها في التعامل مع اضطرابات سابقة، حيث فضّلت في بدايات الأزمة سياسة «الاحتواء» وعدم الدفع بقوات الحرس الثوري وقوات الباسيج بكثافة إلى الشوارع، أو فرض سيطرة أمنية كاملة، إدراكًا منها أن أسبابًا اقتصادية ضاغطة كانت المحرك الأساسي لخروج قطاعات واسعة من المواطنين للتظاهر.

وقال أسامة حمدي، الباحث في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط، إن الاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها، كونها مدفوعة بانهيار اقتصادي غير مسبوق، حيث تعاني إيران من تضخم حاد وارتفاع كبير في الأسعار تجاوز 50%، إلى جانب عدم استقرار سعر صرف الدولار ووجود أكثر من سعر رسمي له، فضلًا عن تفشي الفساد الحكومي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، خاصة الفئات المتوسطة والفقيرة، ودفعهم للنزول إلى الشارع للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية.

البازار الإيراني في قلب الأزمة الاقتصادية

وأضاف حمدي أن القيادة الإيرانية حرصت منذ البداية على التفرقة بين من يطالبون بمطالب اقتصادية عادلة، وبين ما تصفه بـ«مثيري الشغب»، مشيرًا إلى أن أبرز هذه الفئات هم أصحاب البازار أو سوق طهران، الذين احتجوا على فرض رسوم إضافية على الهواتف المستوردة، رغم أنهم يُعدّون أحد أعمدة النظام الاقتصادية والداعمين التقليديين له، ولم يكونوا يومًا ضمن صفوف المعارضة، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعتهم إلى الإضراب وإغلاق محالهم.

وأوضح أن الحكومة الإيرانية تعاملت مع احتجاجات البازار عبر التفاوض المباشر وفتح قنوات اتصال لاحتواء الأزمة وفض الإضراب، إلا أن هذه التحركات، بحسب وصفه، استُغلت لاحقًا من قبل مجموعات تخريبية وعناصر مرتبطة بالموساد الإسرائيلي ووكالة الاستخبارات الأمريكية، سعت إلى إشعال الفوضى والسيطرة على مؤسسات الدولة وإحراقها، في محاولة لتهيئة الأجواء لإسقاط النظام وفتح الطريق أمام عودة رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، إلى الحكم بدعم أمريكي.

ترامب والضغط الأمريكي: التهديد بالضربة وإنقاذ «800 شخص»

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، قال الباحث إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغط على القيادة الإيرانية لعدم تنفيذ أحكام الإعدام بحق متهمين بالتورط في أعمال عنف ضد قوات الأمن وإحراق مؤسسات حكومية، مشيرًا إلى أن طهران قدمت بالفعل نوعًا من التنازل بعدم تنفيذ هذه الأحكام بسرعة، عقب تهديد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية، وهو ما دفعه للخروج إعلاميًا مدعيًا أنه «أنقذ 800 شخص من الإعدام».

وأشار حمدي إلى أن تأجيل الضربة العسكرية لا يعني تراجعًا كاملًا عنها، بل هو تأجيل مؤقت، مؤكدًا أن إيران تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره قائمًا في أي وقت، وترفع درجة التأهب لدى الحرس الثوري والجيش الإيراني، في ظل إدراكها أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا على الطاولة الأمريكية.

لماذا تأجّلت الضربة العسكرية على إيران؟

وأضاف أن من بين أسباب تأجيل الضربة عدم جاهزية إسرائيل عسكريًا، بعد استنزاف مخزوناتها من صواريخ الدفاع الجوي وصواريخ «توماهوك» خلال حرب الـ12 يومًا في يونيو الماضي، فضلًا عن إدراك ترامب أن الضربات الجوية وحدها لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وأن هذا الهدف يتطلب تدخلًا بريًا مباشرًا، ما يعني تورط الولايات المتحدة في حرب طويلة ومكلفة تتعارض مع وعوده الانتخابية بتجنب الحروب الخارجية وتبني سياسة «أمريكا أولًا».

وأكد الباحث وجود ضغوط إقليمية قوية من دول الخليج، مثل السعودية وقطر وسلطنة عمان، إضافة إلى تركيا ومصر، خشية تداعيات أي تصعيد عسكري على أمن المنطقة، وتعطّل الممرات البحرية، واحتمال استهداف إيران لقواعد عسكرية أمريكية في الخليج وتركيا، بما يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع وارتفاع أسعار النفط بصورة حادة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

التهديدات الأمريكية ونتائج عكسية داخل إيران

ولفت حمدي إلى أن سقوط النظام الإيراني، في حال حدوثه، قد يقود إلى فوضى داخلية واسعة، في ظل غياب بديل قادر على ضبط الأمن ويحظى بقبول شعبي، ما قد يؤدي إلى موجات نزوح جماعي نحو دول الجوار، فضلًا عن تحوّل عناصر من الحرس الثوري إلى ميليشيات مسلحة تهدد استقرار الإقليم.

وأوضح أن تهديدات ترامب جاءت بنتائج عكسية على الداخل الإيراني، إذ أسهمت في خلق حالة من الاصطفاف الوطني واستدعاء المشاعر القومية، حتى بين معارضين للنظام، الذين رفضوا التدخل الخارجي بسبب الذاكرة التاريخية السلبية للتدخلات الأجنبية في إيران، واعتزاز الإيرانيين بهويتهم الحضارية ورفضهم لأي إملاءات خارجية، حتى مع استمرار خلافهم مع النظام.

الإصلاح من الداخل بدل التدخل الخارجي

واختتم الباحث بالتأكيد على أن تصريحات ترامب والدعم الإسرائيلي العلني لبعض المحتجين، والدعوة للسيطرة على مؤسسات الدولة، دفعت شريحة واسعة من الإيرانيين إلى العزوف عن المشاركة في الاحتجاجات، والدعوة إلى إصلاح النظام من الداخل، بدلًا من الاستعانة بتدخلات أجنبية لإحداث تغيير سياسي قد يقود البلاد إلى المجهول.