مائة وخمسون عامًا مضت، وما زالت هيئة قضايا الدولة تقف شامخة كأحد أعظم شواهد الدولة المصرية على رسوخ العدالة وسيادة القانون. قرن ونصف حملت خلاله الهيئة أمانة الدفاع عن الوطن، وصون المال العام، وحماية الشرعية الدستورية، لتصبح درع الدولة القانوني وذاكرتها الحية، وركنًا أصيلًا من أركان سيادتها وهيبتها.

منذ أن تأسست عام 1874، وهي تخوض معارك السيادة، وتواجه التحديات، وتكتب بمداد من نور صفحات مشرقة في سجل القضاء المصري. واليوم، ونحن نحتفي بمرور 150 عامًا على إنشائها، فإننا نحتفي بتاريخ وطن، وبمسيرة نضال قانوني ممتد، وبأجيال من المستشارين الذين حملوا على عاتقهم رسالة سامية: أن تبقى مصر دولة قانون لا تُنتزع حقوقها، ولا تُمس سيادتها، ولا يُهدر مالها العام.

الحارس الأمين لسيادة القانون

في سجل الدولة المصرية، تبقى بعض المؤسسات أعمدة لا تهتز، تحمل على عاتقها حماية الشرعية الدستورية وصون المال العام. وتأتي هيئة قضايا الدولة في مقدمة هذه المؤسسات، بوصفها النيابة القانونية والدستورية عن الدولة أمام جميع جهات القضاء في الداخل والخارج.  

هيئة لا تكتفي بالدفاع، بل تُجسّد مفهوم الدولة القانونية في أبهى صوره، وتعيد في كل معركة قضائية التأكيد على أن سيادة القانون ممارسة يومية تتجسد في ساحات القضاء.

جذور تمتد لقرن ونصف

تأسست الهيئة عام 1874 تحت مسمى لجنة قضايا الحكومة بفرمان من نوبار باشا، لتصبح أقدم الهيئات القضائية المصرية، وأسبق من المحاكم الوطنية التي تأسست عام 1883.  

ومنذ ذلك الحين، ظلت الهيئة تؤدي رسالتها في حماية الحقوق العامة والدفاع عن ممتلكات الدولة وصون سيادتها أمام كل اعتداء أو ادعاء.

ولاية قانونية شاملة

تتمتع الهيئة بولاية قانونية واسعة تشمل التمثيل القضائي للدولة أمام جميع المحاكم والهيئات القضائية، من المحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا ومحكمة النقض، إلى القضاء الإداري والمحاكم المدنية والضريبية ومحاكم القيم، وصولًا إلى هيئات التحكيم الدولية.  

وهي الهيئة القضائية الوحيدة التي تتعامل مع جميع فروع القانون دون استثناء، عبر أقسام متخصصة تضم نخبة من المستشارين والخبراء القانونيين.

قضايا صنعت تاريخًا

تاريخ هيئة قضايا الدولة هو في جوهره تاريخ مصر القانوني والسياسي. فقد خاضت الهيئة معارك شكلت محطات فارقة في مسيرة الدولة، منها الدفاع عن السيادة الوطنية في قضية صندوق الدين الأجنبي، وقضية اللورد كار نرفون بشأن ملكية آثار توت عنخ آمون، وقضايا القطن الدولية في الخمسينيات، والقضايا الوطنية الداعمة لحق الشعب في الاستقلال قبل ثورة يوليو، وقضايا تأميم قناة السويس وما تبعها من دعاوى تعويض، وقضايا الإصلاح الزراعي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.  

هذه القضايا لم تكن مجرد نزاعات قانونية، بل كانت معارك سيادة وكرامة وطن.

التحكيم الدولي… ساحات الإنتصار الكبرى.. 

واجهت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية موجة من قضايا التحكيم الدولي تجاوز عددها خمسة وثلاثين قضية أمام هيئات ومحاكم دولية.  

ورغم خطورة هذه القضايا وحجم المطالبات المالية، نجحت هيئة قضايا الدولة—ممثلة في قسم المنازعات الخارجية والتعاون الدولي—في تحقيق انتصارات تاريخية حفظت على مصر مئات المليارات.

ومن أبرز هذه الإنتصارات نجحت الهيئة في قضايا أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بواشنطن، والانتصار أمام محكمة التحكيم الدائمة بلاهاي، وحسم قضايا أمام مركز القاهرة للتحكيم التجاري الدولي، والتصدي لدعاوى أمام محاكم أمريكية وأوروبية.  

وكانت الضربة القانونية الأبرز في قضية الشركة الكويتية، التي انتهت باسترداد ستة وعشرين ألف فدان بالعياط وتجنب الدولة خسارة نصف تريليون جنيه، بعد تقديم خمسين حافظة مستندات دحضت مزاعم الشركة بشكل قاطع.

وخلال الفترة من يناير 2011 حتى يوليو 2023، نجحت الهيئة في تحقيق مكاسب مالية للدولة بلغت 11.8 مليار دولار، و410 ملايين يورو، و601 مليون ين ياباني، بما يعادل 396 مليار جنيه مصري.  

أرقام تكشف حجم الجهد المبذول في حماية المال العام وصون حقوق الدولة.

ضمانة للعدل وليست خصمًا

تؤكد الهيئة في كل ممارساتها أنها ليست محاميًا للحكومة، ولا خصمًا للمواطن، بل ضمانة لتحقيق العدل.  

فهي تُخضع الدولة للقانون، وتضعها أمام منصة القضاء شأنها شأن أي فرد، التزامًا بمبدأ سيادة القانون المنصوص عليه في الدستور.

رموز صنعت المجد

إنتمى إلى الهيئة عبر تاريخها رموز قانونية وسياسية بارزة، منهم قاسم أمين، والمستشار عبد الرازق السنهوري، وسعد زغلول، والمستشار عوض المر، والدكتور عصمت عبد المجيد، وغيرهم ممن تركوا بصمات خالدة في الفكر القانوني المصري والعربي.

تبقى هيئة قضايا الدولة، بعد ما يقرب من قرن ونصف من العمل المتواصل، صرحًا شامخًا يجسد هيبة الدولة وسيادة القانون.  

هيئة لم تتراجع أمام معركة، ولم تتهاون في حماية المال العام، ولم تتردد في الدفاع عن سيادة الوطن أمام أي محكمة أو هيئة دولية.  

ومع كل انتصار تحققه، تُثبت أن مصر دولة لا تُؤخذ حقوقها غلبة، ولا تُنتزع سيادتها ادعاء، وأن وراءها مؤسسة قانونية راسخة تعرف كيف تحميها وتدافع عنها.

ستظل هيئة قضايا الدولة بما تملكه من تاريخ، وخبرة، ورجال ونساء مخلصين درع مصر القانوني، وذاكرتها الحية، وركنًا أصيلًا من أركان العدالة وسيادة القانون.