على هامش فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، التقت «خمسة سياسة» بالسيدة أميرة أحمد المهندي، مدير دار كتارا للنشر التابعة للمؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، في حوار موسع تناولت خلاله رؤيتها لمشاركة الدار في الدورة الحالية، وتحليلها لمتغيرات الذوق الثقافي لدى القارئ المصري، ودور الجوائز الأدبية في دعم صناعة النشر العربي، فضلًا عن مكانة الثقافة بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة في تعزيز التقارب بين الشعوب العربية، وتوقعاتها لمشاركة دولة قطر كضيف شرف في دورة عام 2027.
بدايةً، هل هذه هي مشاركتك الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟
في الواقع، دار كتارا للنشر تحرص على المشاركة الدائمة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، نظرًا لما يمثله من قيمة ثقافية كبيرة على مستوى العالم العربي. أما بالنسبة لي شخصيًا، فتُعد هذه المشاركة هي الثانية، حيث شاركت في الدورة الماضية، وأعتبر التواجد في هذا المحفل الثقافي فرصة مهمة للتواصل المباشر مع القارئ العربي، والتعرف عن قرب على اهتماماته وتوجهاته.
من خلال مشاركتك السابقة والحالية، هل لاحظتِ اختلافات بين الدورتين؟
نعم، هناك اختلافات واضحة وملموسة. أبرز هذه الاختلافات يتمثل في تغير الذوق العام للقارئ المصري وطبيعة اهتماماته. الثقافة المصرية بطبيعتها عميقة ومتنوعة، إلا أن ما لاحظته هذا العام هو تزايد الإقبال على كتب التراث والفكر والتاريخ، مقارنة بالدورة السابقة التي كان التركيز فيها بشكل أكبر على الروايات والأعمال السردية الحديثة.
هذا التحول يعكس وعيًا متزايدًا لدى القارئ بأهمية العودة إلى الجذور الثقافية، والبحث عن المعرفة المتعمقة، وليس الاكتفاء بالقراءات السريعة أو الترفيهية فقط.
هل يمكن القول إن القارئ المصري أصبح أكثر اهتمامًا بالتراث الثقافي؟
بالتأكيد. الإقبال على كتب التراث هذا العام كان لافتًا للنظر. هناك شغف حقيقي لدى الجمهور بالتعرف على التراث العربي والإسلامي، وقراءة الأعمال التي تسهم في تشكيل الوعي التاريخي والثقافي. هذا الأمر أسعدنا كثيرًا كدار نشر تهتم بتقديم محتوى معرفي متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
برأيك، ما الأسباب التي تقف وراء هذا التحول في الاهتمامات؟
أعتقد أن هناك عدة عوامل، من بينها اتساع دائرة الثقافة العامة لدى الجمهور، وتأثير المتغيرات الإقليمية والدولية التي تدفع الأفراد إلى البحث عن المعرفة والفهم الأعمق. كما أن الحضور الإعلامي والسياسي لبعض الدول العربية، ومن بينها دولة قطر، أثار فضول القراء للتعرف على هذه الدول من خلال بوابة الثقافة.
إضافة إلى ذلك، فإن إعلان اختيار قطر كضيف شرف لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2027 أسهم في زيادة اهتمام القراء بالثقافة القطرية، وخلق حالة من الترقب والرغبة في الاطلاع المسبق على تاريخها وتراثها وإنتاجها الثقافي.
هل ترين أن الثقافة تلعب دورًا في تعزيز التقارب بين الشعوب العربية؟
نعم، وبقوة. الثقافة هي إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، فهي قادرة على اختراق الحواجز وبناء جسور التواصل بين الشعوب. من خلال الكتاب، يمكن للإنسان أن يتعرف على الآخر، على تاريخه وثقافته وقيمه، دون أحكام مسبقة.
نحن في العالم العربي تجمعنا روابط تاريخية وثقافية مشتركة، والثقافة قادرة على تعميق هذا الشعور بالانتماء المشترك، وتعزيز الحوار بين المجتمعات العربية المختلفة.
كيف تقيّمين حجم الإقبال والمبيعات في الدورة الحالية؟
المبيعات هذا العام أفضل مقارنة بالدورة السابقة، لكن بالنسبة لنا في دار كتارا للنشر، لا ننظر إلى المبيعات باعتبارها المعيار الوحيد للنجاح. الأهم هو الإقبال الجماهيري، وحجم التفاعل مع الإصدارات، واهتمام الزوار بالتعرف على محتوى الدار ورسالتها الثقافية.
دار كتارا للنشر ترتبط بعدد من الجوائز الثقافية المهمة، مثل «جائزة كتارا للرواية العربية»، و«جائزة شاعر الرسول ﷺ»، و«جائزة المخطوطات العربية»، وهو ما يجعل جناح الدار مساحة للحوار والتفاعل، وليس مجرد منفذ لبيع الكتب.
هل لاحظتِ اهتمامًا خاصًا بجائزة كتارا للرواية العربية؟
نعم، هناك اهتمام كبير، خاصة من الجمهور المصري الذي يتمتع بحس إبداعي عالٍ في مجال الرواية. كثير من الزوار يأتون للاستفسار عن شروط المشاركة، وطبيعة الأعمال الفائزة، ودور الجائزة في دعم الكتّاب الشباب. هذا التفاعل يعكس مكانة الجائزة على الساحة الثقافية العربية.
ما الفئات العمرية الأكثر حضورًا في جناح الدار؟
الإقبال متنوع من حيث الأعمار، لكن يمكن القول إن الشريحة الأكبر تبدأ من سن الثامنة عشرة وما فوق. اللافت هو وجود اهتمام من فئات عمرية صغيرة نسبيًا، وهو أمر مبشر، لأن بناء علاقة مبكرة مع الكتاب يسهم في تكوين جيل واعٍ ومثقف.
هل تعتقدين أن جيل الشباب عاد للاهتمام بالكتاب الورقي؟
أتمنى ذلك بشدة. القراءة الورقية لها خصوصية لا يمكن تعويضها بالوسائط الرقمية. هناك علاقة وجدانية بين القارئ والكتاب، وشعور مختلف حين يتعامل الإنسان مع الورق مباشرة. شخصيًا، أفضل القراءة الورقية، وأتمنى أن يعود الشباب إليها لما لها من أثر عميق في بناء الفكر.
كيف تتوقعين مشاركة قطر كضيف شرف لمعرض القاهرة 2027؟
أتوقع أن تكون مشاركة مميزة تعكس ثراء الثقافة القطرية وتنوعها. ستكون فرصة مهمة لتعريف الجمهور العربي بالتراث القطري، ودوره في المشهد الثقافي، وتعزيز التعاون الثقافي بين مصر وقطر.
في الختام، ما رسالتك لزوار معرض القاهرة الدولي للكتاب؟
أدعو الجميع إلى الاستمرار في القراءة، والانفتاح على مختلف الثقافات العربية، لأن المعرفة هي الأساس الحقيقي للتقدم. معرض القاهرة الدولي للكتاب يظل منصة فريدة للحوار الثقافي، وفرصة لاكتشاف آفاق جديدة للفكر والإبداع.
