تتهيأ جمهورية جيبوتي لاستقبال شهر رمضان الكريم بأجواء روحانية عامرة ومظاهر احتفالية تعكس عمق التدين المتجذر في المجتمع، حيث تتجسد قيم التراحم والتكافل في مختلف أنحاء البلاد، وتشارك جميع الفئات العمرية في الاستعداد للشهر المبارك وسط طقوس شعبية مميزة.

استعدادات مكثفة لاستقبال الشهر المبارك

مع اقتراب نهاية شهر شعبان، ينشغل الجيبوتيون بتنظيف المنازل وتهيئتها، وشراء الاحتياجات الأساسية، خاصة القمح والشعير والحبوب المستخدمة في إعداد الشوربات التقليدية التي تتصدر موائد الإفطار خلال رمضان.

وفي السياق ذاته، يتولى مجمع الفقهاء في جيبوتي مهمة تحري هلال شهر رمضان وإعلان ثبوت الرؤية. وفي حال تعذر ذلك، يتم الاعتماد على ما تعلنه بعض الدول المجاورة، لا سيما المملكة العربية السعودية، في إطار الالتزام بمبدأ وحدة المطالع وتوحيد بداية الشهر الفضيل.

أجواء احتفالية وروحانية تعم البلاد

مع إعلان حلول رمضان، تتزين المساجد بالأنوار، وتضاء مناراتها احتفاءً بالشهر الكريم، بينما تتلألأ السماء بالألعاب النارية التي تبعث البهجة في نفوس الكبار والصغار. وتتعالى في البيوت الأهازيج الرمضانية الترحيبية، مرددة عبارات مثل: «رحبوا يا صائمين بشهر رب العالمين أعاده الله علينا وعليكم أجمعين».

وتواكب الإذاعات المحلية هذه الأجواء ببث برامج دينية، وتلاوات قرآنية، ومدائح نبوية، ما يضفي طابعًا إيمانيًا خاصًا على حياة المسلمين الذين يشكلون نحو 94% من سكان البلاد.

موائد الإفطار والسحور.. تقاليد متوارثة

يتجمع الجيبوتيون قبيل أذان المغرب في باحات المساجد لتناول التمر جماعيًا، خاصة برفقة الأبناء الذكور، قبل أداء صلاة المغرب. وبعد الصلاة، تعود الأسر إلى منازلها لاستكمال وجبة الإفطار التي تضم أطباقًا تقليدية مثل السمبوسة، واللحوح، والهريس، والثريد بلحم الغنم، إلى جانب تبادل الأطباق والعصائر والمعجنات، مع تقديم الشاي والقهوة.

أما وجبة العشاء، فتأتي عقب صلاة التراويح، وتشمل الأرز والشعيرية والمكرونة (الباسطة) مع شوربة المرق. ومن العادات اللافتة في رمضان غياب السمك عن المائدة تجنبًا للشعور بالعطش، في حين يحضر بكثرة خلال عيد الفطر، حيث يحظى بمكانة خاصة.

وفي السحور، يُقدم خبز الحاح الشبيه بالكريب الفرنسي، مصحوبًا بالعسل، بينما تختلف طريقة تحضيره في يوم العيد بإضافة البصل والثوم والكركم. كما تشتهر البلاد بحلويات تقليدية مثل مخبزة وحلوى اللوز وأنواع شبيهة بالجيلي، فيما يُنكه الشاي بالقرفة والهيل.

المساجد والدروس الدينية في رمضان

تكتظ المساجد بالمصلين خلال الشهر الفضيل للاستماع إلى دروس تفسير القرآن الكريم، خاصة بعد صلاة العصر، حيث تخلو الطرقات ويتجه الجميع إلى بيوت الله لحضور دروس تتناول فضائل الصيام وأحكامه ومبطلاته.

ويُعد مسجد الحمودي أكبر مساجد البلاد، ويشهد حضورًا كثيفًا خلال صلاتي المغرب والتراويح، كما يُبث أذان المغرب منه مباشرة عبر الإذاعات المحلية، ليشكل علامة مميزة لبداية الإفطار في مختلف المناطق.

دور الأئمة والمسابقات القرآنية

يمثل شهر رمضان فرصة لتعزيز دور الأئمة والعلماء في نشر الوعي الديني وترسيخ القيم الإيمانية والتربوية، من خلال إقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم للصغار، وتنظيم دروس في العقيدة والسيرة والفقه.

كما تنظم وزارة الشؤون الإسلامية والثقافة والأوقاف مسابقة «جائزة رئيس الدولة» الإقليمية لحفظ القرآن الكريم وتجويده وترتيله، بمشاركة نخبة من الحفظة من دول الإقليم، بما يعزز التنافس في خدمة كتاب الله.

الاعتكاف وليلة القدر وختام الشهر

مع دخول العشر الأواخر، يتزايد الإقبال على الاعتكاف في المساجد، بمشاركة الرجال والنساء والخدم، في أجواء تعبّدية خاشعة. ويحرص الجيبوتيون على إحياء ليلة القدر في مصلى العيد، قبل العودة إلى منازلهم عقب صلاة الفجر.

وفي وداع الشهر الكريم، تتردد عبارات «مودع مودع يا رمضان»، وتقام تجمعات في ساحات الأحياء للدعاء والابتهال، فيما تُوزع الزكوات والصدقات على الفقراء والمحتاجين، التزامًا بتعاليم الإسلام وتعزيزًا لقيم التكافل الاجتماعي.