يشهد المسلمون في الصين، الذين يُقدَّر عددهم بأكثر من 24 مليون نسمة ويتمركز معظمهم في مناطق شمال غرب البلاد، احتفالات خاصة بشهر رمضان المبارك، والذي يُعرف محليًا باسم “باتشاي”. ويعتمد المسلمون هناك في إثبات هلال الشهر الكريم على نشرة رسمية يصدرها مسجد نيوجيه في العاصمة بكين، باعتباره المرجع الرئيسي لتحديد الأهلة والمناسبات الدينية في البلاد.
تاريخ المساجد العريقة في بكين
يُعد مسجد نيوجيه من أقدم المساجد في الصين، إذ يعود تاريخ بنائه إلى نحو ألف عام، ويقع في شارع قديم يُعرف باسم “حي البقر”، نسبة إلى اشتهار سكانه في الماضي بتربية الأبقار. ويقطن في هذا الحي حاليًا ما يقارب 150 ألف مسلم، وهو رقم محدود نسبيًا مقارنة بعدد سكان العاصمة الصينية.
ويأتي مسجد دونغ سي في المرتبة الثانية من حيث القِدم، إذ يعود تاريخه إلى نحو 500 عام. وقد خضع المسجدان لعدة عمليات ترميم وتجديد خلال العقود الخمسة الماضية، في إطار جهود الحفاظ على قيمتهما التاريخية والدينية، واستمرار دورهما في خدمة المجتمع الإسلامي.
الإدارة الدينية وتنظيم شؤون المساجد
تضم الصين أكثر من 43 ألف مسجد، يتولى إدارة كل منها إمام ولجنة مساندة، خاصة في المساجد الكبيرة، وذلك تحت إشراف الجهات الحكومية المختصة. ويُعتبر المسجد الكبير في مدينة إيوو المرجع الرئيس للشؤون الدينية الإسلامية، حيث يتولى إصدار النشرات الدينية ومتابعة مراقبة الأهلة، كما تُقام فيه وحده صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى.
وتتفاوت مستويات الأئمة العلمية بين المستوى المتوسط والمجاز في بعض القراءات، حيث يعتمد إعدادهم بشكل أساسي على المدارس الدينية المحلية التي لعبت عبر قرون طويلة دورًا محوريًا في نشر الإسلام وتأهيل الأئمة والدعاة داخل المجتمع الصيني.
الأطعمة الرمضانية وانتعاش المطاعم الإسلامية
يشهد شهر رمضان في الصين إقبالًا واسعًا على المطاعم والمتاجر التي تقدم الأطعمة الحلال، إذ يتجاوز عددها 988 مطعمًا ومتجرًا. ويحرص المسلمون خلال الشهر الفضيل على تناول أطباق تقليدية مثل لحم الضأن المشوي، إلى جانب تبادل التمر والحلوى والشاي الأخضر بين العائلات والجيران، في أجواء تعزز الروابط الاجتماعية والتكافل المجتمعي.
الحلويات والفواكه على المائدة الرمضانية
تتميز الحلويات الرمضانية في الصين باستخدام التمر إلى جانب فواكه استوائية نادرة في الأسواق العربية، مثل دوريان، النجمة، كيوانو، مانغوستين، رامبوتان وسالاك. كما تحتل فاكهة البطيخ مكانة خاصة على مائدة الإفطار، نظرًا لارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، ما يجعلها من أكثر الفواكه طلبًا خلال الشهر الكريم.
فوانيس رمضان بين التقاليد والتجارة العالمية
تُعد فوانيس رمضان من أبرز المنتجات الصينية التي تُصدَّر إلى الدول العربية والإسلامية، حيث يستخدمها الصينيون أيضًا في إنارة المنازل وتزيين الأحياء السكنية. ومع مرور الزمن، تحولت الفوانيس إلى تقليد سنوي متجذر، فضلًا عن كونها صناعة مزدهرة ومصدر دخل اقتصادي مهم لعدد كبير من العاملين في هذا القطاع.
انتشار الإسلام في الصين عبر التاريخ
وصل الإسلام إلى الصين نحو عام 29 للهجرة، حيث انتشر عبر الفتوحات الإسلامية بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي في مناطق تركستان الشرقية، إضافة إلى دوره في الانتشار من خلال التجارة البحرية في المدن الساحلية، وجهود الدعوة والتنقل إلى المناطق الداخلية، خاصة القريبة من تركستان الشرقية. وبمرور الوقت، أصبح الإسلام جزءًا أصيلًا من النسيج الديني والثقافي في المجتمع الصيني.
