تثير الحرب الدائرة حول إيران مخاوف متزايدة من أزمة غذاء عالمية جديدة، وسط تحذيرات من موجات جوع ومجاعة قد تطال ملايين الأشخاص، خاصة في الدول الأكثر هشاشة، بحسب تقرير تحليلي لصحيفة “فاينانشال تايمز”. ولم يعد الصراع مقتصرًا على الجوانب الجيوسياسية أو النفطية، بل امتد ليشكل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الغذاء العالمية.

من الطاقة إلى الغذاء.. أزمة متشابكة

تشير التحليلات إلى أن تأثير الصراع لا يتوقف عند أسعار الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل إنتاج الغذاء كاملة، بدءًا من الأسمدة والكيماويات، وصولًا إلى الممرات اللوجستية والتمويل، في ظل ارتباط وثيق بين الزراعة الحديثة والوقود الأحفوري منذ عقود.

الثورة الخضراء وبداية الاعتماد على الطاقة

منذ خمسينيات القرن الماضي، أحدثت “الثورة الخضراء” تحولًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي عبر البذور عالية الإنتاجية والأسمدة الصناعية. ورغم زيادة إنتاج الغذاء عالميًا، إلا أن ذلك أدى إلى ربط الزراعة بشكل وثيق بأسواق الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، ما جعل الأمن الغذائي حساسًا لتقلبات أسعار النفط والغاز.

نوصى بقراءة : 

رئيس الرعاية الصحية يتفقد منشآت الإسماعيلية ويوجه بقرارات عاجلة

ارتفاع الأسعار.. مؤشرات أزمة ممتدة

تشير بيانات دولية إلى ارتفاع مؤشر أسعار الطاقة بنسبة 41.6%، إلى جانب زيادة أسعار الأسمدة بأكثر من 26%. كما حذرت منظمة الأغذية والزراعة “فاو” من احتمال ارتفاع إضافي قد يصل إلى 20% خلال النصف الأول من 2026 إذا استمر التصعيد.

دور محوري لدول الخليج في الأمن الغذائي

أصبحت دول الخليج لاعبًا أساسيًا في منظومة الغذاء العالمية، حيث تنتج نحو 30% من صادرات الأمونيا عالميًا، وهي المادة الأساسية للأسمدة. كما تعتمد دول كبرى مثل الهند والمغرب بشكل كبير على واردات الأسمدة من المنطقة، ما يجعل أي اضطراب في الخليج ذا تأثير مباشر على الأمن الغذائي العالمي.

سيطرة على الأسمدة وسلاسل الإمداد

تمتد أهمية الخليج إلى تجارة اليوريا والفوسفات، حيث يسيطر على نحو 35% من تجارة اليوريا العالمية، إلى جانب نفوذه في إنتاج وتصدير الأسمدة الجاهزة، ما يعزز من تأثيره في استقرار الأسواق الزراعية عالميًا.

الموانئ العالمية.. الإمارات نموذجًا

برزت الإمارات كمركز عالمي لإعادة التصدير، مع دور محوري لميناء جبل علي الذي يرتبط بأكثر من 150 ميناء حول العالم، ويشكل نقطة رئيسية في تدفقات الغذاء والإمدادات الإنسانية والتجارية.

أزمة ديون تضغط على الدول النامية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة ديون خانقة في الدول النامية، حيث ارتفعت مدفوعات الفوائد إلى مستويات قياسية، ما يحد من قدرة هذه الدول على الاستثمار في الصحة والتعليم والغذاء، ويزيد من هشاشتها أمام الأزمات العالمية.

دعوات لإصلاح النظام الغذائي العالمي

يشدد خبراء على ضرورة تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في الزراعة، وتبني نماذج أكثر استدامة تعتمد على تنويع المحاصيل وتحسين التربة واستخدام الأسمدة الطبيعية، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالحروب وتقلبات الطاقة.

تحذيرات من سيناريوهات خطيرة

تؤكد التقارير أن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي عالميًا، مع دعوات لتوفير مساعدات طارئة وإعفاءات من الديون وتمويلات عاجلة، لتجنب تفاقم الأوضاع ووصولها إلى مستويات كارثي

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي.. تحذيرات من أزمة أسمدة قد تضرب الأسواق وأفريقيا في قلب العاصفة

من هنا تشهد أسواق الغذاء والأسمدة العالمية حالة من القلق المتزايد، مع تحذيرات من تداعيات خطيرة محتملة جراء استمرار الحرب الدائرة مع إيران، والتي قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد وارتفاع كبير في أسعار الغذاء، خاصة في الدول الأفريقية الأكثر هشاشة واعتمادًا على الاستيراد.

تحذير من “مزاد عالمي” للأسمدة

حذرت شركة يارا إنترناشونال، أكبر منتج للأسمدة في العالم، من أن استمرار التصعيد قد يدفع سوق الأسمدة إلى ما يشبه “مزادًا عالميًا غير معلن”، ما قد يحرم الدول الفقيرة من الحصول على احتياجاتها الأساسية من الغذاء والأسمدة، ويرفع تكلفة الإنتاج الزراعي عالميًا.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة إن العالم يواجه خطرًا حقيقيًا يتمثل في عدم قدرة الفئات الأكثر ضعفًا على تحمل تكلفة الأسمدة، مشيرًا إلى أن أفريقيا رغم امتلاكها إمكانات زراعية ضخمة، لا تزال من أكبر مستوردي الغذاء بدلًا من أن تكون منتجًا رئيسيًا.

اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع قياسي في الأسعار

وأدت الحرب إلى اضطرابات مباشرة في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في الوقود والأسمدة، ما تسبب في ارتفاع أسعار اليوريا – أحد أهم مكونات الأسمدة – بنسبة تتراوح بين 60% و70% منذ بداية الأزمة.

وأكد خبراء في سلاسل الإمداد أن القيود المفروضة على الإنتاج والنقل، إلى جانب التوترات الجيوسياسية، انعكست بشكل مباشر على الأسواق العالمية، ورفعت من تكلفة الإنتاج الزراعي بشكل غير مسبوق.

توقف إنتاج وتأثر دول كبرى

وتعد دول الخليج مسؤولة عن نحو 35% من الإمدادات العالمية لليوريا، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة ذا تأثير واسع على الأسواق. كما تأثر إنتاج الأمونيا، وهو عنصر أساسي في تصنيع الأسمدة النيتروجينية، حيث أوقفت بعض الدول الإنتاج مؤقتًا بسبب مخاطر التخزين خلال النزاعات.

وأشار مسؤولون في قطاع الإمدادات إلى أن بعض المصانع تعمل بطاقة منخفضة أو توقفت جزئيًا، مؤكدين أن استئناف الإنتاج قد يستغرق أسابيع أو حتى أشهر، مع وجود قيود على قدرات التخزين.

أفريقيا الأكثر تأثرًا بالأزمة

وتعد القارة الأفريقية الأكثر عرضة لتداعيات هذه الأزمة، رغم امتلاكها إمكانات كبيرة للإنتاج الزراعي. إلا أن اعتمادها الكبير على استيراد الأسمدة يجعلها في موقع هش أمام ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات.

وحذر مسؤولون في قطاع الأسمدة من أن دولًا مثل إثيوبيا وكينيا قد تواجه نقصًا حادًا مع بداية مواسم الزراعة، نتيجة اعتمادها على واردات الأسمدة من الشرق الأوسط، ما يهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.

خطر على الإنتاج الزراعي العالمي

ويرى خبراء أن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يجعلها غير متاحة لعدد كبير من المزارعين، ما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحاصيل الزراعية عالميًا، ويزيد من احتمالات نقص الغذاء في الأسواق.

كما أن ضعف خصوبة التربة في بعض الدول، إلى جانب نقص المخزونات الغذائية، يزيد من حدة الأزمة مقارنة بالدول المتقدمة التي تمتلك احتياطيات ودعمًا حكوميًا أكبر.

دعوات لتعزيز دعم القطاع الزراعي

وفي ظل هذه التحديات، دعا مسؤولون إلى ضرورة التعامل مع الزراعة كقطاع استراتيجي، وتعزيز الدعم الموجه للمزارعين في مختلف دول العالم، لتفادي تفاقم أزمة الغذاء.

وأكدت تحذيرات الخبراء أن استمرار الأزمة دون حلول قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الأمن الغذائي العالمي، مع زيادة الفجوة بين الدول القادرة على الإنتاج وتلك المعتمدة على الاستيراد

نوصى بقراءة : قنصوة : مناقشة تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي بين مصر واليابان