​تعد قرية "بهجورة" التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، نموذجاً فريداً للقرى المصرية التي تتماهى فيها عراقة التاريخ مع قدسية المكان. لا تقتصر أهمية بهجورة على كونها مركزاً إدارياً وتاريخياً فحسب، بل هي متحف مفتوح يروي قصصاً ضاربة في الجذور، بدءاً من أصلها اللغوي وصولاً إلى إرثها الروحي.

​"بهوا انجمول".. من حظيرة الجمال إلى منارة التعليم

​يعود أصل اسم القرية إلى المسمى القبطي "بهوا انجمول"، والذي يعني "حظيرة الجمال"، وهو الاسم الذي اشتق منه المسمى العربي الحالي "بهجورة". ولم تكن بهجورة مجرد قرية زراعية، بل كانت ركيزة إدارية هامة؛ إذ كانت في العصر العثماني تمثل المقاطعة الثانية عشرة من أصل 21 مقاطعة تشكل ولاية "جرجا"، قبل أن تشهد توسعاً إدارياً في عام 1259 هـ، حيث قُسمت إلى بهجورة الغربية والشرقية.

​وإذا كانت القرية قد عرفت بكونها حاضنة للأولياء، فقد عرفت أيضاً بريادتها في التنوير، بفضل جهود "داود تكلا" الذي وضع لبنات التعليم الحديث بها. ففي عام 1891، أسس أول مدرسة ابتدائية، ثم توالت إنجازاته التعليمية بتشييد مدرسة كبرى ما بين 1903 و1905، وصولاً إلى إنشاء قسم للتعليم الثانوي للبنين عام 1909، لتصبح بهجورة علامة مضيئة في تاريخ التعليم بصعيد مصر.

 

​مزارات الروح.. حيث يسكن الأولياء

​تنفرد بهجورة بانتشار واسع لمقامات أولياء الله الصالحين، الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من الوجدان الشعبي لأهلها. فعلى مداخل القرية، يستقبل الزوار مقام "الشيخ فرج" من الجنوب، ومقام "الشيخ حسوب الشريف" من الشمال المجاور لشريط السكة الحديد.

​وتتعدد المزارات داخل القرية، ومن أبرزها:

​مجمع الشيخ أحمد الوزيري: وهو مسجد يضم ثلاث قباب؛ الأولى للشيخ أحمد الوزيري، والثانية للشيخ حسين، والثالثة للشيخ رائف، مع مقبرة "الست حميدة" التي وهبت الأرض لخدمة هذا الصرح.

​باقة من المقامات: 

تضم القرية مقامات الشيخ "صافي" صفى الدين الشريف، الشيخ علي الكوفي، الشيخ أبو زيد، الشيخ عبد المغيث، الشيخ مزروع (الذي شهد تجديداً في 1985)، الشيخ أبو عبد اللاه، الشيخ المكملي، الشيخ زايد، الشيخ بريقع، الشيخ منصور، الشيخ محمد علي الصحابي، الشيخ محمد الزنباعي، والشيخ الهلاوي.


​"الشيخ حسوب الشريف".. نسبٌ شريف وأثرٌ باقٍ

​يحتل مقام الشيخ حسوب الشريف مكانة خاصة كونه من نسل الإمام الحسين بن علي (رضي الله عنهما). تشير المخطوطات والوثائق المتداولة إلى أن نسبه يمتد من خلال السيد عمرو الذي نزح من مكة المكرمة عام 775 هـ وصولاً إلى قنا، ودفن ببلدة "أولاد عمرو".

​وقد امتدت ذرية الشيخ حسوب لتنتشر في بقاع مصر، من دكرنس بالمنصورة إلى سوهاج، أسوان، وبني سويف. وتعد ذريته في بهجورة والقرى المجاورة امتداداً لسلسلة من الصلاح والتقوى، حيث ارتبطت أسماء أبنائه وأحفاده بمقامات أخرى مثل الشيخ عبد الرسول، الشيخ يوسف، والشيخ حسب الله، لتمثل هذه المزارات حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وتجسد روحانية تعتز بها القرية عبر الأجيال.

ختاماً

تظل بهجورة شاهدة على عصر من العطاء، تجمع بين حكمة الأجداد في التمسك بالعلم، وروحانية المكان التي يجسدها أولياء الله الصالحون، لتظل "حظيرة الجمال" اسماً على مسمى، جميلة بتاريخها، ورصينة بأهلها.