في وقت تتواصل فيه المساعي الدولية لتثبيت الاستقرار في جنوب لبنان، عادت التطورات الميدانية لتلقي بظلالها على المشهد، مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع تأجيل اجتماع عسكري كان يُعوَّل عليه للانتقال إلى مرحلة تنفيذية من التفاهمات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بينما تتسارع التحركات الأوروبية لبحث مستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل".

تصعيد ميداني رغم وقف إطلاق النار

شهد جنوب لبنان، الجمعة، سلسلة من الخروقات الإسرائيلية، حيث تعرضت بلدات برعشيت وحداثا وزوطر الغربية لقصف مدفعي وتفجيرات عنيفة، فيما استهدفت طائرات مسيرة إسرائيلية بلدة المنصوري والطريق المؤدي إلى الناقورة قرب مطعم "تيروس"، ما أسفر عن إصابة عامل سوري.

وامتدت التحركات العسكرية الإسرائيلية إلى أجواء البقاع، بعدما حلقت طائرة مسيرة على علو منخفض فوق مدينة بعلبك، في وقت نفذت فيه قوات الاحتلال عمليات تمشيط في محيط بلدة حاريص، الأمر الذي أدى إلى محاصرة عدد من السكان، وسط مناشدات للجيش اللبناني بالتدخل لإجلائهم.

وتعكس هذه التطورات استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية على الحدود الجنوبية، رغم التفاهمات السياسية والعسكرية الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

حصيلة إنسانية ثقيلة

في موازاة التصعيد، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية أن الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 2 مارس الماضي وحتى 16 يوليو الجاري بلغت 4324 شهيدًا و12224 جريحًا، في أرقام تعكس استمرار الكلفة الإنسانية الباهظة للمواجهات، وتؤكد أن الهدوء الميداني المنشود لم يتحقق بعد بصورة كاملة.

تأجيل الاجتماع العسكري

سياسيًا، تأجل الاجتماع الافتراضي الذي كان مقررًا بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية إلى موعد لاحق، بعد أن كان من المنتظر أن يشكل أول خطوة عملية لترجمة ما تم الاتفاق عليه خلال الجولة السادسة من المفاوضات التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما.

وأرجعت مصادر عسكرية لبنانية التأجيل إلى الحاجة لاستكمال إعداد الملفات التقنية والخطط التنفيذية والإجراءات التطبيقية المرتبطة بالمباحثات، وهو ما يشير إلى أن المسار التفاوضي لا يزال بحاجة إلى مزيد من التحضير قبل الانتقال إلى التنفيذ الميداني.

وكان الطرفان قد توصلا خلال مفاوضات روما إلى اتفاق مبدئي يقضي بتحديد منطقتين تجريبيتين لبدء تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، باعتباره أول اختراق عملي منذ توقيع اتفاق الإطار أواخر يونيو الماضي، مع تأجيل حسم الملفات الأكثر تعقيدًا إلى جولات لاحقة.

أوروبا تبحث بديلًا لـ"اليونيفيل"

في موازاة ذلك، برزت تحركات أوروبية بشأن مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، بعدما اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول دراسة إمكانية إسناد مهمة أمنية إلى قوة تابعة للاتحاد الأوروبي عقب انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل" في 31 ديسمبر 2026، بهدف تجنب أي فراغ أمني قد يهدد استقرار المنطقة.

وأوضح الوزير الألماني أن الاتحاد الأوروبي مطالب بدراسة آلية تضمن استمرار الاستقرار في الجنوب، مؤكدًا أن وجود حكومة مستقرة في لبنان يمثل أحد أكثر التطورات الإيجابية في المنطقة خلال المرحلة الحالية.

ويأتي الطرح الألماني متقاطعًا مع المبادرة الفرنسية ـ الإيطالية التي رحب بها الرئيس اللبناني جوزيف عون، والهادفة إلى تشكيل تحالف دولي يتولى دعم لبنان في مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، عبر آلية تنسيق تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بما يضمن استمرار مراقبة الأوضاع الأمنية ودعم الجيش اللبناني ومنع استغلال أي فراغ أمني من قبل أطراف قد تدفع نحو تصعيد جديد على الحدود.

شراكة أوروبية تتجاوز الملف الأمني

وفي سياق متصل، عقد الاتحاد الأوروبي ولبنان الاجتماع الرابع للجنة الفرعية المشتركة المعنية بالنقل والطاقة والبيئة والمياه، في إطار تعزيز التعاون بين الجانبين في القطاعات الحيوية.

وتناول الاجتماع تأثير سياسات النقل الأوروبية على لبنان، إلى جانب مناقشة تطوير البنية التحتية للنقل الجوي والبحري والبري، مع التأكيد على ضرورة تنفيذ إصلاحات هيكلية لتحسين الكفاءة ومستويات السلامة.

كما ناقش الجانبان سبل دعم قطاع الطاقة، خاصة بعد إنشاء الهيئة الناظمة للطاقة في لبنان، مع التركيز على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة وتعزيز الربط الإقليمي، فضلًا عن التعاون في مجالات البيئة وإدارة النفايات وحماية التنوع البيولوجي.

وفي ملف المياه، استعرض الاجتماع تنفيذ خطة تعافي قطاع المياه، وشدد على أهمية الإصلاحات المالية، بما يشمل مراجعة التعرفات وتحسين نسب التحصيل، لضمان استدامة مؤسسات المياه ورفع كفاءتها.

مرحلة مفصلية

تكشف التطورات الأخيرة أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع التحركات السياسية والدبلوماسية. فبينما تستمر الخروقات الإسرائيلية في اختبار اتفاق وقف إطلاق النار، تتواصل الجهود الدولية لوضع آليات جديدة لإدارة الوضع الأمني في الجنوب، استعدادًا لمرحلة ما بعد "اليونيفيل".

وفي ظل استمرار المفاوضات العسكرية وتنامي الاهتمام الأوروبي بدعم مؤسسات الدولة اللبنانية، يبقى نجاح هذه المسارات مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات ميدانية تضمن الاستقرار، وتمنع عودة التصعيد على الحدود الجنوبية.

ضربات متبادلة وحصار بحري.. المواجهة الأمريكية الإيرانية تدخل...

محادثات إسرائيل ولبنان في روما تحرز تقدمًا.. واستكمالها الأرب...