مع اقتراب موعد بدء الدراسة في الثاني عشر من سبتمبر المقبل، تدخل مصر عامها الدراسي الجديد على وقع أكبر تحول في نظام الثانوية العامة منذ عقود: انطلاق "البكالوريا المصرية" رسميًا للمرة الأولى، لكن بينما تُصدر وزارة التربية والتعليم بيانات متتالية تؤكد اكتمال الاستعداد، تتوالى الأسئلة والاستفسارات البرلمانية التي تحمل نبرة مختلفة تمامًا. السؤال هنا ليس عن جدوى النظام الجديد من الأساس، فهذا نقاش منفصل، بل عن نقطة أكثر إلحاحًا: هل المدارس والمعلمون، على أرض الواقع، جاهزون فعلًا لخوض هذه التجربة بعد أسابيع معدودة؟
بين تطمينات الوزارة وأسئلة النواب
في المقابل الرسمي، تعلن الوزارة أن نظام البكالوريا الجديد جاء نتاج تخطيط ممتد شمل صياغة مناهج حديثة وبرامج تأهيل للكوادر البشرية، وأن تدريب المعلمين وصل إلى مراحله الأخيرة بما يجعل المدارس، بحسب التصريحات الرسمية، على "أتم الجاهزية" للتحول الجديد.
كما أكد مسؤول بالوزارة أن معلمي المناهج الجديدة خضعوا لتدريب بدأ قبل نحو تسعة أسابيع عبر خمس مراحل، وأن الوزارة وصلت إلى المرحلة الرابعة منها، مع التأكيد على استمرار المتابعة بعد بدء التطبيق فعليًا لرصد أي قصور ومعالجته أولًا بأول.
غير أن هذه التطمينات لم تمنع عددًا من أعضاء مجلس النواب من التقدم بأسئلة برلمانية متتالية خلال الأيام الأخيرة، تحمل جميعها المضمون ذاته: مطالبة الحكومة بحسم لائحة البكالوريا والمناهج وبرامج تدريب المعلمين والمسارات الدراسية قبل بدء العام الدراسي فعليًا، مع التشديد على ضرورة عدم ترك هذه الملفات معلقة حتى اللحظات الأخيرة.
وتساءل أحد النواب تحديدًا عن مدى جاهزية المناهج في صورتها النهائية بما يسمح للمعلمين بالاستعداد الكافي لتدريسها، مطالبًا بتوضيح مستوى التدريب الفعلي الذي تلقاه المعلمون والموجهون للتعامل مع نظام مختلف جذريًا في فلسفته ومساراته ووسائل تقييمه، مشيرًا إلى أن بعض التدريبات المنفذة كانت محدودة المدة مقارنة بحجم التحول المطلوب.
المعلم في قلب المعادلة.. أرقام تحتاج توضيحًا
لم تقتصر الأسئلة البرلمانية على الجانب المنهجي، بل امتدت إلى صميم الملف الأكثر حساسية: جاهزية المعلم نفسه، فقد طالب أحد النواب وزير التعليم ببيان تفصيلي لأعداد المعلمين الذين جرى تدريبهم فعليًا على تطبيق نظام البكالوريا المصرية ونظم التقييم والامتحانات الجديدة، ونسبة من اجتازوا برامج التأهيل من إجمالي المستهدفين، بل وتساءل عمّا إذا كانت هناك اختبارات فعلية لقياس جاهزية المعلم قبل إسناد تدريس النظام الجديد إليه من الأساس.
كما وجّه نائب آخر سؤالًا منفصلاً حول الحد من كثافات الفصول وما وصفه بـ"عجز المعلمين"، إلى جانب استفسار عن مدى الاعتراف الدولي بالشهادة الجديدة.
من جانبها، نفت الوزارة رسميًا وجود أي عجز في معلمي المواد الأساسية، مؤكدة أن الفترة المقبلة ستشهد إعلان تعيينات جديدة لدفعة من المعلمين بعد استكمال الموافقات اللازمة. وفي تصريحات لاحقة، أوضح الوزير أن مديري المدارس هم المسؤولون عن سد أي عجز داخل مدارسهم عبر التعاقد مع "معلمي الحصة"، مع الاستعانة بالمعلمين المحالين إلى المعاش للاستفادة من خبراتهم السابقة. كما أعلن الوزير أن متوسط كثافة الفصل سيبلغ نحو 41 طالبًا، مؤكدًا عدم وجود كثافات مرتفعة خلال السنوات الست المقبلة.
هذا التباين بين تطمين وزاري بعدم وجود عجز، وحلول بديلة تعتمد على معلمين متعاقدين أو محالين للمعاش لسد فجوات قائمة، هو تحديدًا ما يمنح الأسئلة البرلمانية مشروعيتها: فالحديث عن "معلم الحصة" كحل احتياطي يفترض ضمنيًا وجود فجوة ما بين العدد المطلوب والعدد المتاح من المعلمين المؤهلين للنظام الجديد تحديدًا.
مناهج تحت الإعداد حتى اللحظات الأخيرة
يضيف البعد الزمني طبقة أخرى من القلق إلى الملف. فوزارة التعليم أعلنت اعتماد مناهج إحدى عشرة مادة دراسية وفق النظام الجديد قبل أيام معدودة فقط من بدء الدراسة، كما واصلت الوزارة تدريب معلمي بعض المواد، من بينها اللغة العربية، في توقيت قريب جدًا من موعد الافتتاح الرسمي للعام الدراسي. وبينما يرى مسؤولو الوزارة أن هذا التوقيت لا يمثل إشكالية لأن المتابعة ستستمر بعد بدء التطبيق لمعالجة أي قصور يظهر أثناء التجربة، يرى منتقدون أن اعتماد مناهج بالكامل أو استمرار تدريب المعلمين على أبوابها يضع كلًا من المعلم والطالب في موقف اختبار حي لنظام لم تكتمل بعد كل تفاصيله على الورق.
سؤال تكافؤ الفرص.. حين يختلف الاستعداد من مدرسة لأخرى
من بين المطالب البرلمانية اللافتة، جاء التأكيد على ضرورة ضمان عدم تأثير الانتقال إلى النظام الجديد على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أوسع لم تحسمه التصريحات الرسمية بعد بشكل تفصيلي: هل تتوفر الإمكانات ذاتها - من معلمين مؤهلين، وكثافة فصول مقبولة، وبنية تحتية تقنية لازمة لنظام امتحانات جديد - في مدرسة بأحد الأحياء الراقية بالقاهرة كما تتوفر في مدرسة بقرية نائية بالصعيد أو بمناطق حدودية؟ فالفارق التاريخي في توزيع الموارد التعليمية بين المحافظات لم يكن، حتى في ظل النظام القديم، موزعًا بالتساوي، ما يجعل تطبيق نظام أكثر تعقيدًا من حيث المسارات والتقييم يستوجب تفاوتًا في درجة "الجاهزية الفعلية" بين مدرسة وأخرى، بصرف النظر عن الجاهزية المعلنة على المستوى المركزي.
رؤية غائبة عن المجلس الوطني للتعليم
من بين الملفات التي طالب بها النواب أيضًا، الكشف عن رؤية المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار تجاه النظام الجديد، ومدى توافق تطبيق البكالوريا المصرية مع السياسات العامة للدولة لتطوير التعليم وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل. وغياب هذه الرؤية عن النقاش العام حتى الآن، رغم اقتراب موعد التطبيق، يعزز فرضية أن الملف يُدار حتى اللحظة بمنطق تنفيذي متسارع أكثر منه بمنطق تخطيط استراتيجي متكامل تشارك فيه كل الجهات المعنية بمنظومة التعليم.
سؤال بلا إجابة نهائية
بين وزارة تعلن اكتمال الاستعداد وتوزيع مناهج ومتابعة مستمرة، ونواب يطالبون بأرقام دقيقة عن نسب تدريب المعلمين واختبارات لقياس جاهزيتهم، تبقى الإجابة الحاسمة رهينة بما ستكشفه الأسابيع الأولى الفعلية من الدراسة. فالفارق بين "جاهزية معلنة" على مستوى الخطط والتصريحات، و"جاهزية متحققة" داخل كل فصل دراسي وكل مدرسة على حدة، هو ما سيحدد فعليًا ما إذا كانت البكالوريا المصرية ستبدأ كتجربة مكتملة الأركان، أم كنظام يُستكمل بناؤه بالتوازي مع تطبيقه على أرض الواقع، وعلى حساب أول دفعة من الطلاب الذين يخوضونه؟
