الدكتور أحمد كريمة: معالم إسلامية مفقودة.. وآثارٌ من ذاكرة الأمة تتحول إلى مرويات وذكريات

أكد الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن الآثار والمعالم التاريخية تمثل «ذاكرة للماضي، وعظة للحاضر، واستشرافًا للمستقبل»، مشددًا على أن الإسلام لا يحظر على الشعوب والدول الاحتفاظ بآثارها باعتبارها جزءًا من حضاراتها وتراثها وشاهدًا على مسيرة البشرية.

وقال الدكتور أحمد كريمة في كلمة افتتاحية حول قضية «معالم إسلامية مفقودة»: إن الإسلام لم يأمر بإبادة الآثار التي خلفتها الحضارات، مستشهدًا بأن صدر الأمة لم يُبِد آثار الفرس، ولم يعتدِ على آثار العراق أو الشام أو مصر.

وأضاف أن النصوص التي وردت بشأن إزالة التماثيل ارتبطت بعلة العبادة من دون الله، ولا يصح تعميم هذه العلة على الفنون والآثار التي لا تتخذ معبودات، لافتًا إلى أن الحضارة الإسلامية نفسها شهدت إبداعًا واسعًا في الفنون الجميلة والعمارة، وأن المساجد والأسبلة والأربطة والقلاع وغيرها لا تزال شاهدة على ذلك.

«معالم إسلامية مفقودة».. الدكتور أحمد كريمة: التراث الإسلامي ليس بدعة ولا خروجًا على العقيدة

وأوضح الدكتور أحمد كريمة أن التاريخ الإسلامي يؤكد أن وجود الفنون والآثار لم يكن متعارضًا مع وجود القراء والمفسرين وحفاظ الحديث وأئمة الفقه والعقيدة، معتبرًا أن التعامل السليم مع النصوص يقتضي عدم الانتقاء أو الاجتراء على ظواهر بعض النصوص دون فهم سياقها وعِلَلها.

وأشار إلى أن عددًا من المعالم الإسلامية التي وردت في أمهات كتب الفقه والتاريخ والسيرة اختفت من الواقع، محذرًا من أن تتحول هذه المعالم إلى مجرد «مرويات وذكريات» بعد أن كانت أماكن معلومة وموثقة.

المحصب والأبطح.. معلم ارتبط بحج النبي ﷺ

وضرب الدكتور كريمة مثالًا بـالمحصب أو الأبطح، موضحًا أن المصادر الفقهية والتاريخية ذكرت موضعه ووظيفته، وأن التحصيب كان من مستحبات الحج، وأن السيدة عائشة رضي الله عنها روت نزول النبي ﷺ فيه.

وقال إن المحصب «صار الآن أثرًا بعد عين»، بعدما دخل ضمن البنيان، وفق ما أورده في استعراضه للمصادر التراثية.

«معالم إسلامية مفقودة».. المواقيت النبوية ومسميات تغيرت عبر الزمن

وتوقف الدكتور أحمد كريمة عند المواقيت المكانية للإحرام بالحج والعمرة، مشيرًا إلى أسماء ذي الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، وما طرأ على بعض هذه المواضع من تغير في المسميات المتداولة حاليًا.

وأكد أن هذه المواقيت حددها النبي ﷺ بأحاديث صحيحة، مستشهدًا بما ورد في صحيحي البخاري ومسلم، ومشيرًا إلى أهمية الحفاظ على الأسماء والمعلومات المرتبطة بالمعالم التي ثبتت في النصوص والمصادر الإسلامية.

معالم المسجد النبوي.. «المخلَّق» و«التوبة» و«السرير» و«الحرس»

وأشار الدكتور كريمة إلى عدد من المعالم داخل المسجد النبوي الشريف، ومنها إسطوانات المخلَّق، والقرعة، والتوبة، والسرير، والحرس، داعيًا إلى التعامل مع هذه المواضع باعتبارها جزءًا من التاريخ الإسلامي الذي يستحق التوثيق والدراسة.

كما أشار إلى ضرورة الانتباه إلى دقة المسميات، موضحًا أن النص النبوي قال: «ومسجدي هذا»، في الحديث المتفق عليه بشأن المساجد التي تُشد إليها الرحال.

«معالم إسلامية مفقودة».. الدكتور أحمد كريمة يحذر من طمس ذاكرة القدس

وتناول الدكتور أحمد كريمة قضية المسجد الأقصى، محذرًا من الخلط بين قبة الصخرة وبيت المقدس، ومشيرًا إلى ما وصفه بحركة التهويد التي تستهدف تغيير عدد من المعالم والمسميات الإسلامية والعربية داخل مدينة القدس.

وشدد على أن الحفاظ على أسماء الأماكن ومعالمها التاريخية يمثل جانبًا مهمًا من الحفاظ على الذاكرة الإسلامية والعربية للمدينة.

مقام إبراهيم.. وذكرى موقف الشيخ الشعراوي

واستعاد الدكتور كريمة واقعة تاريخية تتعلق بمقام إبراهيم عليه السلام، قائلًا إنه في خمسينيات القرن الماضي كان هناك توجه لإخراجه إلى خارج المسجد الحرام، قبل أن يتدخل الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، مستندًا إلى قول الله تعالى:﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.

دور ومواقع من السيرة النبوية.. أين ذهبت؟

وأشار الدكتور أحمد كريمة إلى عدد من المواقع التي ارتبطت بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، من بينها دار مولد الرسول ﷺ، ودار السيدة خديجة رضي الله عنها، ومولد حمزة، ومولد علي، ومولد عمر رضي الله عنهم، إلى جانب عدد من المساجد والمواقع التاريخية في مكة والمدينة.

وذكر من بينها مسجد الراية، ومسجد الإجابة، ومسجد خالد بن الوليد، ومسجد البيعة أو العقبة، ومسجد النحر، إضافة إلى الخندق بالمدينة، وخيمة أم معبد، والحديبية، والأخدود بنجران، مؤكدًا أن هذه المواقع تحتاج إلى حصر علمي دقيق وتوثيق لمواقعها وما آلت إليه.

«معالم إسلامية مفقودة».. سؤال عن مصير ما تبقى

وطرح الدكتور أحمد كريمة تساؤلًا حول مصير المعالم التي لا تزال قائمة، قائلًا: «ماذا عما بقى وهو أقل القليل؟ هل تقاوم عوادي الزوال والتغيير والتبديل؟ أو تصبح مرويات وذكريات؟»

وأكد أن القضية لا تتوقف عند تسجيل أسماء الأماكن، وإنما تمتد إلى ضرورة توثيقها والحفاظ على ما تبقى منها باعتبارها جزءًا من تاريخ الأمة وذاكرتها الحضارية.

«معالم إسلامية مفقودة».. جدل حول المخلفات النبوية والتبرك

وانتقد الدكتور كريمة ما وصفه بإجهاض مشروع إقامة متحف للمخلفات النبوية، متسائلًا عن مبررات اعتبار وجود هذه الآثار تهديدًا لعقيدة التوحيد لمجرد أن بعض الناس قد يتبركون بها.

وطرح في هذا السياق عددًا من التساؤلات، من بينها: لماذا يشرف الحكام والعلماء وغيرهم بغسل الكعبة المشرفة والتشرف بأخذ أجزاء من كسوتها القديمة؟ وهل وجود دار للمخلفات النبوية في تركيا يعني خروج المسلمين هناك عن الإسلام؟

كما استشهد بقصة سيدنا زكريا عليه السلام مع السيدة مريم عليها السلام، وقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.

«معالمنا تزول بين صمت أكاديميين وعدوان مرضى عقيدة»

واختتم الدكتور أحمد كريمة تصريحه بالتأكيد على ضرورة إنقاذ ما تبقى من المعالم الإسلامية وتوثيقها قبل اندثارها، منتقدًا ما وصفه بصمت بعض الأكاديميين والخبراء، إلى جانب ما اعتبره تشددًا في التعامل مع قضايا التراث والمعالم.

وقال: «معالمنا تزول بين صمت "أكاديميين" خبراء، وعدوان مرضى عقيدة، وفي الفم ماء كثير!!».

وشدد على أن توثيق المعالم الإسلامية وحفظها لا يعني عبادتها أو تقديسها، وإنما يعني صيانة جانب من الذاكرة التاريخية والحضارية للأمة، والحفاظ على ما سجلته كتب الفقه والسيرة والتاريخ من مواقع وأحداث ومعالم.