شاركت مصر في ورشة العمل التي نظمها البنك الدولي بالعاصمة اليابانية طوكيو، تحت عنوان «طول العمر الصحي والشيخوخة»، لبحث الاستجابات والسياسات المناسبة للتحولات الديموغرافية المتسارعة، وتبادل الخبرات الدولية حول الشيخوخة الصحية والرعاية طويلة الأجل لكبار السن، في ضوء التجربة اليابانية وما تفرضه زيادة متوسطات الأعمار من احتياجات صحية واجتماعية واقتصادية متزايدة.
وضم الوفد المصري المشارك في أعمال الورشة المهندسة مرجريت صاروفيم، نائبة وزيرة التضامن الاجتماعي، والدكتورة عبلة الألفي، نائبة وزير الصحة والسكان، والدكتورة هبة عبد المنعم، مساعدة وزير التخطيط، والدكتورة مها ونيس، أخصائي ملف الصحة بمكتب البنك الدولي.
مصر تبحث مستقبل رعاية كبار السن مع البنك الدولي
ركزت ورشة البنك الدولي على الاستفادة من التجربة اليابانية في التعامل مع التحولات الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر، وما يرتبط بذلك من ضرورة تطوير منظومات متكاملة للرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والرعاية طويلة الأجل.
كما شهدت الورشة تبادل الخبرات بين الدول المشاركة، ومن بينها اليابان والبرازيل والهند والصين وكرواتيا وغانا وإثيوبيا وكينيا وجنوب أفريقيا وسريلانكا وتايلاند، مع التأكيد على أهمية تصميم نماذج لرعاية كبار السن تتناسب مع طبيعة واحتياجات كل مجتمع، بدلًا من الاعتماد على نموذج موحد.
وناقشت المناقشات الأبعاد المختلفة للشيخوخة والتغير في التركيبة السكانية، إلى جانب سبل بناء استجابات أكثر تكاملًا تستند إلى مفهوم «طول العمر الصحي»، بما يحافظ على جودة حياة كبار السن، ويدعم استقلاليتهم وقدرتهم على الاختيار والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
«طول العمر الصحي» يتجاوز زيادة سنوات الحياة
أكدت المناقشات أن مفهوم طول العمر الصحي لا يرتبط بمجرد زيادة عدد سنوات حياة الإنسان، وإنما يستهدف أن يعيش الإنسان فترة أطول مع صحة أفضل وقدرة وظيفية أعلى.
ويرتبط تحقيق هذا الهدف بالاستثمار المبكر في الصحة والتعلم والحماية الاجتماعية، إلى جانب توفير بيئات داعمة تساعد الإنسان على الحفاظ على قدراته الصحية والذهنية خلال مراحل حياته المختلفة.
كما طرحت الورشة مفهوم الرعاية طويلة الأجل باعتباره منظومة تتجاوز تقديم الخدمات الصحية التقليدية، لتشمل دعم استقلالية كبار السن، وتعزيز قدرتهم على الاختيار والمشاركة في الحياة والمجتمع، مع بحث سبل زيادة دور القطاع الخاص في تطوير خدمات الرعاية والدعم المقدمة لهم.
مصر تستعد لتحول ديموغرافي متسارع
واستعرض الجانب المصري التجربة الوطنية في مجال رعاية كبار السن والشيخوخة الصحية، والتي تقوم على مجموعة من الأبعاد تشمل الرعاية والحماية الاجتماعية والصحية وتوفير الخدمات.
وأوضح الجانب المصري أن مصر تتجه إلى تحول ديموغرافي متسارع نحو مجتمع أكثر تقدمًا في العمر، مع توقع ارتفاع نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر إلى نحو 17.5% بحلول عام 2072، مقابل 5.8% حاليًا من إجمالي السكان.
ويفرض هذا التحول الحاجة إلى الاستعداد المبكر لتلبية الاحتياجات الصحية والاجتماعية والاقتصادية لكبار السن، إلى جانب التعامل مع احتياجات سوق العمل، ووضع سياسات مستدامة قادرة على الاستجابة للزيادة المتوقعة في أعداد كبار السن.
3 محاور مصرية لتحقيق «طول العمر الصحي»
وطرح الوفد المصري رؤيته المستقبلية لتطوير منظومة رعاية كبار السن، من خلال حزمة متكاملة من التدابير التي تستهدف تعزيز طول العمر الصحي والرعاية طويلة الأجل والوقاية والكشف المبكر عن الأمراض غير السارية.
وترتكز الرؤية المصرية على ثلاثة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها تغيير الوعي المجتمعي وترسيخ مفهوم شامل لرعاية كبار السن، بما يعزز النظرة إلى هذه المرحلة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للحياة وليس مجرد فترة تتوقف فيها أدوار الإنسان الاجتماعية والإنتاجية.
ويتمثل المحور الثاني في تعظيم قيمة العمل بعد المعاش، من خلال إتاحة فرص عمل مرنة تتناسب مع أعمار المواطنين وميولهم وقدراتهم الصحية، مع إعدادهم قبل بلوغ سن المعاش لاكتساب المهارات التي تساعدهم على مواصلة العمل وفقًا لقدراتهم ورغباتهم.
أما المحور الثالث فيرتبط بتطوير مفهوم المعاش ليكون أكثر ارتباطًا بالحالة الصحية والاستعداد النفسي والقدرة على العمل، وليس بالسن وحده.
الوقاية تبدأ مبكرًا من الطفولة
وشملت الرؤية المصرية تعزيز الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض غير السارية منذ الطفولة المبكرة والمراهقة والشباب، باعتبار أن الحفاظ على الصحة في مراحل العمر الأولى ينعكس بصورة مباشرة على جودة الحياة في المراحل المتقدمة.
كما تتضمن الرؤية توفير رعاية صحية متكاملة ووقائية وعلاجية وميسرة، من خلال دمج خدمات كبار السن داخل مراكز الرعاية الأولية، إلى جانب إقامة مراكز لخدمة المسنين في الجمعيات الأهلية، وتوفير خدمات الرعاية المنزلية.
وتستهدف هذه الإجراءات كذلك دعم التشخيص المبكر للأمراض غير السارية، ورفع الوعي بأهمية التدخلات الوقائية التي تحد من الإصابة بها، خاصة بين الفئات التي لديها عوامل خطورة كامنة.
«الألف يوم الذهبية» ضمن استراتيجية مواجهة أمراض الشيخوخة
وتشمل الرؤية المصرية إدارة الوحدات الصحية وفق نهج «مسار الحياة»، مع دعم مفهوم «الألف يوم الذهبية»، بما يسهم في الحفاظ على القدرات الصحية والذهنية للإنسان، والحد من معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والخرف في المراحل المتقدمة من العمر.
وتقوم هذه الرؤية على التعامل مع صحة الإنسان باعتبارها مسارًا متصلًا يبدأ منذ المراحل الأولى للحياة، بما يجعل الوقاية والتغذية والرعاية الصحية والتعلم والبيئة الداعمة عناصر مترابطة في بناء حياة أطول وأكثر صحة.
حماية اجتماعية وتشريعية لكبار السن
كما أكدت الرؤية المصرية أهمية تعزيز الحماية الاجتماعية والمجتمعية والتشريعية لكبار السن، وبصفة خاصة غير القادرين وذوي الدخول المنخفضة، بما يضمن حصولهم على الدعم والخدمات اللازمة، ويحافظ على حقوقهم وكرامتهم.
وتشمل المنظومة كذلك دعم الأسرة ومقدمي الرعاية، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية طويلة الأجل، إلى جانب تطوير الخدمات التي تساعد كبار السن على الحفاظ على استقلاليتهم والمشاركة في المجتمع لأطول فترة ممكنة.
زيارات ميدانية للاطلاع على التجربة اليابانية
وتضمنت أعمال الورشة زيارات ميدانية إلى عدد من مراكز رعاية كبار السن الحكومية والخاصة في اليابان، بهدف التعرف بصورة عملية على نظم تقديم خدمات الرعاية، والاطلاع على أدوار المؤسسات الأكاديمية والبحثية في تطوير هذا المجال.
وتأتي المشاركة المصرية في ورشة البنك الدولي استمرارًا للحوار والتعاون مع الشركاء الدوليين، بهدف تطوير رؤية وطنية متكاملة لـ**«طول العمر الصحي»** تجمع بين الصحة والحماية الاجتماعية والرعاية طويلة الأجل والعمل والتدريب والخدمات، إلى جانب دعم الأسرة ومقدمي الرعاية.
وتستهدف هذه الرؤية وضع كرامة الإنسان واستقلاليته وجودة حياته في مقدمة أولويات منظومة رعاية كبار السن، وتعزيز قدرتهم على مواصلة المشاركة والعطاء داخل المجتمع
