أكد الدكتور أحمد موسى، الباحث في العلوم السياسية، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية لا يعني إعلان الحرب، وإنما يعكس تحولًا في حسابات الأمن القومي المصري، من التركيز على حماية الحدود المباشرة إلى تأمين الممرات الاستراتيجية المرتبطة بالمصالح الأمنية والاقتصادية لمصر، وفي مقدمتها مضيق باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
وأوضح موسى أن التحركات الإقليمية المتسارعة تفرض على القاهرة إعادة تقييم أدوات حماية مصالحها، خاصة في ظل ما تمثله الممرات البحرية من أهمية استراتيجية للتجارة الدولية وحركة الطاقة، مشيرًا إلى أن أي اضطراب في هذه المناطق قد ينعكس على حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس، فضلًا عن تأثيراته المحتملة على الاقتصاد المصري.
وشدد على أن قراءة التفويض يجب ألا تقتصر على الجانب العسكري، بل ينبغي النظر إليه باعتباره رسالة سياسية وأمنية ترتبط بحماية المصالح المصرية، والحفاظ على استقرار المنطقة، ومنع اتساع نطاق التهديدات التي قد تؤثر على أمن الملاحة البحرية.
أحمد موسى: أمن الممرات الاستراتيجية أصبح جزءًا من الأمن القومي المصري
وأشار الباحث في العلوم السياسية إلى أن أهمية مضيق باب المندب والبحر الأحمر لا تنفصل عن أمن قناة السويس، إذ ترتبط هذه المناطق بشبكة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة، وتؤثر في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وأضاف أن التهديدات التي تطال الممرات البحرية قد تفرض أعباء إضافية على الاقتصاد المصري، سواء من خلال اضطراب حركة السفن أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين أو تراجع حركة التجارة عبر القنوات البحرية الحيوية، وهو ما يجعل حماية هذه الممرات جزءًا من حسابات الأمن القومي.
وأوضح موسى أن التحرك المصري، وفقًا لهذه القراءة، لا يعني بالضرورة الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة، وإنما يتيح مساحة للتعامل مع التهديدات وفقًا لطبيعتها وتطوراتها، وبما يحقق التوازن بين حماية المصالح الاستراتيجية وتجنب الانزلاق إلى صراعات طويلة الأمد.
ولفت إلى أن الموقف المصري يرتبط كذلك بأهمية التنسيق الإقليمي، وتحديد طبيعة المخاطر التي تواجه الدول المعنية، مع ضرورة أن تكون أي خطوات عملية مرتبطة بأهداف واضحة وحدود محددة، بما يحافظ على قدرة الدولة على إدارة التحديات الأمنية والاقتصادية في وقت واحد.
ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع الأزمة.. ومخاطر التدخل العسكري
وتناول موسى عددًا من السيناريوهات المحتملة للتعامل مع التطورات الإقليمية، موضحًا أن أحدها يتمثل في الاكتفاء بالدعم السياسي والدبلوماسي، وتعزيز التنسيق الأمني مع الدول المعنية، بما يسهم في احتواء التوترات دون الانخراط المباشر في عمليات عسكرية.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق بتقديم دعم دفاعي أو لوجستي وفقًا لطبيعة التهديدات والاحتياجات المطروحة، بينما يرتبط السيناريو الثالث باحتمال اتساع نطاق المواجهة بما قد يفرض خيارات أكثر تعقيدًا، ويزيد من حجم المخاطر والتكاليف المرتبطة بأي تدخل.
وأكد أن الانتقال من الدعم السياسي أو الدفاعي إلى المشاركة العسكرية المباشرة يظل قرارًا بالغ الحساسية، نظرًا لما قد يترتب عليه من تداعيات أمنية واقتصادية، مشيرًا إلى أن أي انخراط عسكري يجب أن يستند إلى تقدير دقيق للمخاطر، وأن يكون مرتبطًا بهدف محدد وإطار واضح للتحرك.
وحذر من أن التدخلات العسكرية الممتدة قد تؤدي إلى استنزاف الموارد، وتوسيع دائرة التوتر، وتعريض حركة الملاحة البحرية لمزيد من المخاطر، فضلًا عن احتمالات التأثير على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يستدعي دراسة البدائل المتاحة قبل اتخاذ أي خطوات تصعيدية.
وشدد موسى على أهمية وضع ضوابط واضحة لأي تحرك، تشمل تحديد الأهداف، ونطاق المشاركة، والمدة الزمنية، وآليات التنسيق مع الأطراف المعنية، إلى جانب تقييم التداعيات الاقتصادية والأمنية بصورة مستمرة.
واختتم الباحث في العلوم السياسية رؤيته بالتأكيد على أن حماية المصالح المصرية تظل محورًا أساسيًا في التعامل مع التطورات الإقليمية، وأن تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية لا ينفصل عن حماية الاقتصاد الوطني واستقرار حركة التجارة، موضحًا أن التحدي يتمثل في تحقيق هذه الأهداف دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة أو تحمل أعباء تتجاوز المصالح التي يسعى التحرك إلى حمايتها.
