شهدت دورة الألعاب الأولمبية في ملبورن عام 1956 استغلالاً سياسيًا واسعًا، حيث كانت الألعاب مسرحًا لأحداث سياسية عالمية كبرى أثرت بشكل مباشر على مشاركة الدول وفعاليات الدورة.
العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر 1956، شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانًا عسكريًا على مصر، احتجاجًا على هذا العدوان، قاطعت دول عربية مثل مصر، لبنان، والعراق الألعاب الأولمبية، معلنةً بذلك موقفها الرافض للتدخل العسكري الأجنبي.
قبل أسابيع قليلة من انطلاق الألعاب، قامت القوات السوفيتية بغزو المجر لقمع الثورة المجرية، هذا الحدث أدى إلى مقاطعة عدد من الدول الغربية للألعاب، وعلى رأسها هولندا، إسبانيا، وسويسرا.. ورغم المقاطعة، شارك الوفد المجري في الألعاب، وقدم لاعبوه عرضًا قويًا، خاصةً في كرة الماء، حيث تحولت مباراة منتخب المجر ضد الاتحاد السوفيتي إلى "معركة" دامية عكست التوترات السياسية بين البلدين.
وقاطعت جمهورية الصين الشعبية الألعاب بسبب مشاركة "جمهورية الصين" (تايوان) في الدورة، هذه المقاطعة عكست الصراع على الاعتراف الدولي بين الجانبين، والذي استمر لسنوات طويلة.
لم تقتصر الأزمة على المقاطعات، بل استُغلت الألعاب بشكل مباشر من قبل الدول المشاركة للتعبير عن مواقفها السياسية، فكانت دورة ملبورن مسرحًا للتنافس بين القطبين، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، كان الاتحاد السوفيتي يهدف إلى إثبات تفوق نظامه الاجتماعي من خلال السيطرة على جدول الميداليات، وهو ما نجح فيه بالفعل، كان الصراع بين القوتين العظميين يظهر بوضوح في كل حدث رياضي.
استخدمت بعض الدول الرياضة لتسوية الخلافات أو إظهار الوحدة، على سبيل المثال، شاركت كل من ألمانيا الغربية والشرقية كفريق واحد في محاولة من اللجنة الأولمبية الدولية لإظهار الوحدة رغم الانقسام السياسي.
لم يكن الاستغلال السياسي مقتصرًا على الحكومات، فبعض اللاعبين عبروا عن احتجاجاتهم، من أبرزها، ارتداء الوفد المجري شريطًا أسود على علم بلادهم أثناء حفل الافتتاح، حدادًا على ضحايا الغزو السوفيتي.
تعتبر دورة ملبورن 1956 نقطة تحول في تاريخ الأولمبياد، حيث أصبحت رمزًا واضحًا لكيفية تأثير الأزمات السياسية العالمية على الأحداث الرياضية، وكيف يمكن للرياضة أن تتحول إلى ساحة للمواجهة والدبلوماسية غير الرسمية.