تدخل الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي المقررة غدًا الثلاثاء وسط منافسة سياسية محتدمة، في ظل تراجع شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتصاعد استياء قطاعات من الناخبين بسبب ارتفاع الأسعار والحرب مع إيران والرسوم الجمركية، وهي عوامل ألقت بظلالها على سباقات انتخابية في ولايات كانت تُصنف سابقًا ضمن المعاقل الآمنة للحزب الجمهوري.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، يحتاج الديمقراطيون إلى انتزاع أربعة مقاعد على الأقل للفوز بالسيطرة على مجلس الشيوخ الأمريكي، المؤلف من 100 مقعد، بينما يحتفظ الجمهوريون حاليًا بأغلبية تبلغ 53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين. ورغم أن فرص الديمقراطيين بدت محدودة في بداية العام، فإن خريطة المنافسة تغيرت مع اقتراب موعد التصويت، وأصبحت عدة ولايات جمهورية تقليديًا ساحة لمنافسة أكثر تقاربًا.

ولا تقتصر أهمية الانتخابات على التنافس على مقاعد مجلس الشيوخ، بل تمثل اختبارًا مباشرًا لقدرة ترامب وحزبه على الاحتفاظ بالأغلبية، في وقت أصبحت فيه الأوضاع الاقتصادية والسياسة الخارجية من أبرز الملفات المؤثرة في اختيارات الناخبين، إلى جانب حجم الإنفاق الانتخابي والتحالفات التي تدعم المرشحين في الولايات المتأرجحة.

ألاسكا وأيوا وكانساس.. معاقل جمهورية تدخل دائرة المنافسة

في ولاية ألاسكا، يخوض السيناتور الجمهوري دان سوليفان سباقًا للفوز بولاية جديدة أمام الديمقراطية ماري بيلتولا، العضو السابقة بمجلس النواب الأمريكي، إلى جانب مرشح مستقل يحمل الاسم نفسه لدان سوليفان. وتكتسب المنافسة أهمية خاصة بسبب نظام التصويت التفضيلي المطبق في الولاية، والذي يسمح للناخبين بترتيب المرشحين وفق الأفضلية بدلًا من اختيار مرشح واحد فقط.

وأثارت تقارير بشأن تحركات مرتبطة بمرشحين يحملون أسماء قد تؤثر في توزيع الأصوات جدلًا انتخابيًا، بعدما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن مساعدي بيلتولا عملوا مع محامين وموظفين في حملتها للبحث عن مرشحين قد يسحبون أصواتًا من منافسيها، فيما قال مدير حملتها السابق إنها كانت على علم بهذه التحركات، لكنها لم تشارك فيها بصورة مباشرة.

ووصف ترامب ما جرى بأنه «تزوير انتخابي على أعلى مستوى»، مطالبًا باستبعاد بيلتولا من بطاقة الاقتراع وملاحقتها قضائيًا، بينما وجه حاكم ألاسكا الجمهوري مايك دانليفي إحدى وكالات الولاية للتحقيق في مدى قانونية هذه التحركات وما إذا كانت تستوجب إجراءات جنائية أو مدنية.

كما رفعت وزارة العدل الأمريكية دعوى استباقية أمام محكمة اتحادية لمنع اعتماد نتائج انتخابات الولاية إذا خسر سوليفان إعادة انتخابه بفارق ضئيل، في حين طلبت حملة بيلتولا من المحكمة رفض الدعوى. وعلى المستوى المالي، جمعت بيلتولا نحو 37 مليون دولار مقابل قرابة 14 مليون دولار لسوليفان، بينما أظهرت استطلاعات حديثة تقدمًا طفيفًا لها، رغم فوز ترامب بالولاية بفارق 13 نقطة مئوية في انتخابات 2024.

وفي ولاية أيوا، يواجه الجمهوريون منافسة صعبة على مقعد السيناتور الذي قررت جوني إرنست عدم الترشح له مجددًا، حيث تتنافس النائبة الجمهورية آشلي هينسون مع الديمقراطي جوش توريك، عضو برلمان الولاية والحاصل على ميداليتين ذهبيتين في الألعاب البارالمبية.

وأصبح الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز محاور السباق، إذ حاولت هينسون في رسالتها الانتخابية الأخيرة التأكيد على تفهمها للضغوط التي تواجه الأسر، بينما اتهمها توريك بعدم إدراك حجم معاناة المواطنين في تدبير نفقاتهم، وربط بين ارتفاع تكاليف المعيشة ومواقفها من القرارات المتعلقة بالحرب على إيران.

وجمع توريك تبرعات بلغت 24 مليون دولار مقابل 14 مليونًا لهينسون، فيما أنفق الديمقراطيون 96 مليون دولار على السباق، مقابل 85 مليونًا للجمهوريين، في مؤشر على حجم الرهان الحزبي على المقعد.

وامتدت المنافسة إلى ولاية كانساس التي دخلت بدورها دائرة الولايات المتأرجحة، حيث يدافع السيناتور الجمهوري روجر مارشال عن مقعده أمام الديمقراطي آدم هاملتون، مؤسس وراعي كنيسة ميثودية كبرى. وجمع هاملتون نحو 19 مليون دولار مقابل 7.5 مليون دولار لمارشال، كما أظهرت استطلاعات حديثة تقدمًا طفيفًا للمرشح الديمقراطي، رغم أن ترامب فاز بالولاية بفارق 16 نقطة مئوية في انتخابات 2024.

مين ونورث كارولاينا وأوهايو.. سباقات مكلفة تهدد الأغلبية الجمهورية

وتبرز ولاية مين باعتبارها واحدة من أهم فرص الديمقراطيين لتحقيق مكاسب في مجلس الشيوخ، إذ تعد الولاية الوحيدة التي يخوض فيها سيناتور جمهوري حالي الانتخابات مجددًا في ولاية لم يفز بها ترامب خلال انتخابات 2024.

وتخوض السيناتور الجمهورية سوزان كولينز المنافسة أمام الديمقراطي تروي جاكسون، الرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، الذي عمل في قطع الأخشاب. واستغل جاكسون قضية ارتفاع تكاليف المعيشة في حملته، رابطًا بينها وبين صعوبة تحمل الأسر تكاليف تدفئة منازلها، بينما ركز إعلان كولينز الانتخابي الأخير على التشكيك في قدرته على تمثيل الولاية داخل مجلس الشيوخ.

وجاء ترشح جاكسون بعد انسحاب المرشح الديمقراطي الأصلي جراهام بلاتنر، الذي واجه ضغوطًا على خلفية اتهامات بالاعتداء الجنسي، وهي اتهامات ينفيها. ورغم أن جاكسون دخل السباق في يوليو، فإنه تمكن من جمع تبرعات تجاوزت ما جمعته كولينز بنحو 1.5 مليون دولار، فيما أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تقدمه.

وفي نورث كارولاينا، تبدو فرص الديمقراطيين أكثر قوة، بعدما أظهرت استطلاعات حديثة تقدم الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر على المرشح الجمهوري مايكل واتلي بفارق يتراوح بين 9 و14 نقطة مئوية. ويخوض الطرفان المنافسة على مقعد شاغر بعد تقاعد السيناتور الجمهوري توم تيليس.

وجمع كوبر نحو 50 مليون دولار مقابل 14 مليونًا لواتلي، وهو ما زاد من صعوبة موقف الجمهوريين، ودفع حلفاء الحزب إلى تحويل جزء من مواردهم الانتخابية نحو ولايات أخرى، وسط مؤشرات على اتساع الفارق بين المرشحين.

أما في أوهايو، فيسعى الديمقراطي شيرود براون إلى العودة لمجلس الشيوخ بعد خسارته مقعده في انتخابات 2024، ويواجه السيناتور جون هوستد، الذي عُين في المقعد عقب انتقال جيه دي فانس إلى منصب نائب الرئيس الأمريكي. ويعد السباق من بين الأكثر تكلفة، إذ اقترب إنفاق الجهات الخارجية عن حملات المرشحين من 400 مليون دولار، وجمع براون نحو 68 مليون دولار مقابل قرابة 20 مليونًا لهوستد.

وفي ساوث كارولاينا، يحاول الجمهوريون الحفاظ على مقعد في ولاية لم يفز فيها ديمقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ منذ عام 1998، لكن ترشيح دارلين جراهام، شقيقة السيناتور الراحل ليندزي جراهام، أثار تساؤلات بشأن خبرتها السياسية، بينما تخوض الديمقراطية آني آندروز، طبيبة الأطفال، المنافسة أمامها، بعدما جمعت تبرعات تزيد بنحو 22 مليون دولار على منافستها.

وتكشف هذه السباقات عن حجم التحدي الذي يواجه الجمهوريين، حتى في ولايات فاز بها ترامب بفوارق كبيرة خلال انتخابات 2024، في ظل ارتفاع الإنفاق الانتخابي وتغير أولويات الناخبين، فضلًا عن تأثير الملفات الاقتصادية والحرب مع إيران على المزاج العام.

تكساس.. إنفاق ضخم رغم الأفضلية التقليدية للجمهوريين

وفي ولاية تكساس، التي لم يفز فيها أي مرشح ديمقراطي بمنصب على مستوى الولاية منذ عام 1994، أنفق الجمهوريون نحو 300 مليون دولار في محاولة للحفاظ على مواقعهم، رغم فوز ترامب بالولاية بفارق يقارب 14 نقطة مئوية في انتخابات 2024.

وتتركز المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ في تداعيات الصراع داخل الحزب الجمهوري، بعدما أطاح المدعي العام للولاية كين باكستون بالسيناتور الحالي جون كورنين في جولة إعادة الانتخابات التمهيدية، بدعم من ترامب، بينما كان الاعتقاد السائد أن فرص كورنين في الفوز بالانتخابات العامة ستكون أفضل.

وتعكس هذه التطورات أن انتخابات التجديد النصفي لا تدور فقط حول المنافسة التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل تتداخل معها الخلافات داخل الأحزاب، ومواقف المرشحين من السياسات الاقتصادية والخارجية، وقدرتهم على إقناع الناخبين بأنهم الأقدر على معالجة أزماتهم اليومية.

ومع اقتراب التصويت، تظل السيطرة على مجلس الشيوخ مفتوحة على احتمالات متعددة، في اختبار سياسي قد يعيد رسم موازين القوى داخل الكونجرس، ويحدد مدى قدرة إدارة ترامب على مواصلة تمرير أجندتها التشريعية خلال الفترة المقبلة.