لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبر من خلاله ناقلات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، بل أصبح نقطة ارتكاز في حسابات القوى الكبرى، بالنظر إلى تأثيره المباشر على أمن الطاقة والتجارة الدولية، وما يمثله من أهمية استراتيجية في التنافس بين الولايات المتحدة والصين. وبينما تظل المنطقة ساحة للتوترات العسكرية والسياسية، تبرز بكين بوصفها طرفًا لديه مصلحة اقتصادية مباشرة في تجنب أي تصعيد قد يهدد حركة الملاحة وإمدادات الطاقة.
وتكتسب التحركات الصينية أهمية خاصة في ظل اعتماد بكين الكبير على نفط دول الخليج، وارتباط مصالحها الاقتصادية بممرات التجارة البحرية في الشرق الأوسط، إلى جانب علاقاتها المتنامية مع أطراف متنافسة في المنطقة، من بينها السعودية وإيران. وهو ما يدفعها إلى تبني سياسة تقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، وتوظيف ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي للحد من التوترات التي قد تنعكس على مصالحها.
وفي هذا السياق، تناول تحليل نشره مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في يونيو 2023، للباحث عبدالله باعبود، ملامح الدور الصيني المتنامي في الخليج، معتبرًا أن تأمين مضيق هرمز لم يعد مسألة إقليمية فقط، بل يرتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة الصيني وموقع بكين في التوازنات الدولية، خاصة مع تزايد اعتمادها على واردات النفط القادمة من المنطقة.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة الذي لا تملك الأسواق بديلًا سهلًا له
تنبع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز من موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان، ويجعله أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. ووفقًا للأرقام التي استند إليها تحليل كارنيغي، مر عبر المضيق نحو 21 مليون برميل من النفط يوميًا خلال عام 2020، فيما كانت تقديرات عام 2018 تشير إلى أن نحو 76% من النفط الخام والمكثفات العابرة للمضيق كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية.
وتكمن خطورة هذا الممر في محدودية البدائل المتاحة لنقل النفط بعيدًا عنه، إذ لا تمتلك خطوط أنابيب قادرة على تجاوز منطقة المضيق سوى السعودية والإمارات، وفقًا للتحليل. ويعني ذلك أن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة قد ينعكس على إمدادات الطاقة، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويضع الأسواق العالمية أمام موجة جديدة من الضغوط.
ولا تقتصر المخاطر على احتمالات إغلاق المضيق، بل تمتد إلى الحوادث البحرية والاحتكاكات العسكرية وسوء التقدير بين القوات الموجودة في المنطقة. فالممر شهد على مدار عقود توترات متكررة، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تزايد الوجود العسكري الدولي لحماية السفن التجارية وضمان حرية الملاحة.
ويشير تحليل كارنيغي إلى أن ضيق ممرات عبور السفن، ومرورها عبر المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية، يجعلان المنطقة شديدة الحساسية لأي تحرك عسكري أو حادث بحري. كما أن تعدد القوات البحرية والتحالفات الدولية الموجودة في محيط المضيق يزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود، حتى في غياب قرار سياسي مباشر بالدخول في مواجهة.
ومن هنا، يصبح استقرار مضيق هرمز مصلحة تتجاوز الدول المطلة عليه، إذ يرتبط بتدفق إمدادات الطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، وباستقرار حركة التجارة العالمية، وهو ما يفسر اهتمام القوى الكبرى بتطورات المنطقة.
النفط الخليجي.. نقطة الارتكاز في الحسابات الصينية
تحتل الطاقة موقعًا رئيسيًا في العلاقات الصينية الخليجية، فالصين من أكبر مستوردي النفط في العالم، وتعتمد بصورة كبيرة على الإمدادات القادمة من منطقة الخليج. ووفقًا للأرقام الواردة في تحليل كارنيغي، تجاوزت حصة دول الخليج 50% من واردات الصين النفطية خلال الربع الأول من عام 2022، كما بلغت قيمة واردات النفط الخام الصينية من دول خليجية قريبة من مضيق هرمز نحو 128 مليار دولار خلال عام 2021.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم ارتباط الاقتصاد الصيني باستقرار الممرات البحرية في الخليج، إذ إن أي تعطيل لحركة الناقلات قد يفرض ضغوطًا على أمن الطاقة في الصين، ويؤثر في قدرتها على تأمين احتياجاتها الصناعية والاقتصادية.
ولا تنظر بكين إلى المنطقة باعتبارها مصدرًا للنفط والغاز فقط، بل تمثل نقطة استراتيجية في مبادرة الحزام والطريق، التي تستهدف توسيع شبكات التجارة والبنية التحتية والربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ولذلك، اتسع نطاق التعاون الصيني مع دول الخليج ليشمل الموانئ والسكك الحديدية والاتصالات والاستثمار والطاقة المتجددة، إلى جانب قطاعات أخرى.
وفي هذا الإطار، يشير تحليل كارنيغي إلى استثمارات صينية في عدد من الموانئ الإقليمية، من بينها ميناء خليفة والفجيرة في الإمارات، وميناء الدقم في سلطنة عُمان، وميناء تشابهار في إيران، فضلًا عن ميناء جوادر في باكستان. كما شاركت شركات صينية في تنفيذ مشروعات للبنية التحتية وخطوط نقل الطاقة، بما يعكس سعي بكين إلى تأمين مسارات تجارية متعددة وتقليل تعرض مصالحها للمخاطر الجيوسياسية.
ويبرز خط أنابيب حبشان–الفجيرة مثالًا على أهمية تنويع طرق نقل النفط، إذ ينقل الخام من أبوظبي إلى ميناء الفجيرة متجنبًا المرور عبر مضيق هرمز. غير أن هذه البدائل تظل محدودة مقارنة بحجم الإمدادات التي تمر عبر المضيق، وهو ما يجعل الحفاظ على أمنه ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى الصين ودول أخرى.
علاقات متوازنة مع الرياض وطهران.. ورقة الصين الدبلوماسية
من أبرز ما يمنح الصين مساحة للتحرك في الخليج قدرتها على الاحتفاظ بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية مع أطراف إقليمية متنافسة. فبكين ترتبط بشراكات تجارية واستراتيجية مع السعودية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات واسعة مع إيران، وهو ما يتيح لها التواصل مع الطرفين دون أن تكون طرفًا مباشرًا في صراعاتهما.
وتظهر هذه السياسة في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران، الموقعة في مارس 2021 لمدة 25 عامًا، والتي تضمنت التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب العلاقات الصينية السعودية التي شهدت توسعًا في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية.
وجاءت الوساطة الصينية في اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في 10 مارس 2023 لتمنح بكين حضورًا سياسيًا أكثر وضوحًا في المنطقة. فقد مثل الاتفاق خطوة مهمة في مسار خفض التوتر بين البلدين، بعد سنوات من القطيعة والتنافس الإقليمي، وأظهر قدرة الصين على استثمار علاقاتها الاقتصادية في فتح مسارات للحوار السياسي.
لكن أهمية الاتفاق لا تتوقف عند إعادة العلاقات الدبلوماسية، بل ترتبط بمدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية، خاصة فيما يتعلق بالملفات الإقليمية المعقدة، وفي مقدمتها الأزمة اليمنية. ويرى تحليل كارنيغي أن الاختبار الحقيقي للوساطة الصينية يتمثل في مدى استمرار التقارب السعودي الإيراني وقدرته على التأثير في النزاعات القائمة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار الوساطة الصينية دليلًا على امتلاك بكين نفوذًا حاسمًا في جميع ملفات المنطقة، لكنها تعكس انتقال دورها من شريك اقتصادي مهم إلى طرف يسعى إلى توظيف ثقله الدبلوماسي في إدارة بعض التوترات الإقليمية.
واشنطن وبكين.. تنافس على النفوذ دون بديل أمني صيني مكتمل
رغم اتساع الحضور الاقتصادي والدبلوماسي للصين في الخليج، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق عسكري واضح في المنطقة، من خلال قواعدها وانتشارها البحري وشراكاتها الأمنية مع عدد من دول الخليج. ويشير تحليل كارنيغي إلى أن الصين لا تمتلك حتى الآن الوجود العسكري الدائم أو القدرات العملياتية التي تسمح لها بمنافسة واشنطن في دور الجهة الضامنة لأمن المنطقة.
وتكمن المفارقة في أن الصين تستفيد من وجود بيئة إقليمية مستقرة تضمن استمرار تدفق النفط، لكنها لا تتحمل حتى الآن الأعباء العسكرية نفسها التي تتحملها الولايات المتحدة في حماية الممرات البحرية. وفي المقابل، يمنحها هذا الوضع مساحة لتقديم نفسها باعتبارها شريكًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا قادرًا على التواصل مع أطراف متعددة، دون الانخراط المباشر في ترتيبات أمنية واسعة.
كما أن تنامي التنافس بين واشنطن وبكين يجعل الخليج ساحة مهمة لإعادة تشكيل العلاقات الدولية، خاصة مع توجه الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومحاولات الصين توسيع نفوذها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق.
ويشير التحليل إلى أن بعض دول الخليج اتجهت إلى تنويع علاقاتها الدولية وعدم الاعتماد على قوة كبرى واحدة، مستفيدة من علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين في آن واحد. ويعكس هذا التوجه رغبة إقليمية في توسيع هامش المناورة السياسية والاقتصادية، والحصول على شراكات متعددة تحمي المصالح الوطنية في ظل تغير موازين القوى الدولية.
ومع ذلك، فإن تحول النفوذ الاقتصادي الصيني إلى حضور عسكري أكبر يظل مرتبطًا بعوامل عديدة، من بينها طبيعة التزامات الولايات المتحدة الأمنية تجاه حلفائها، ومدى استعداد الصين لتحمل مسؤوليات أمنية مباشرة في منطقة شديدة التعقيد.
هل تصبح الصين ضامنًا لاستقرار مضيق هرمز؟
تبدو الصين مرشحة لمواصلة لعب دور دبلوماسي مؤثر في الخليج، بالنظر إلى حجم مصالحها الاقتصادية واعتمادها على إمدادات الطاقة العابرة لمضيق هرمز، فضلًا عن علاقاتها المتوازنة مع عدد من الأطراف الإقليمية. لكن تحويل هذا النفوذ إلى دور أمني شامل لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالقدرات العسكرية والخبرة العملياتية وطبيعة التوازنات القائمة في المنطقة.
وتوضح تجربة الوساطة بين السعودية وإيران أن بكين قادرة على توظيف علاقاتها التجارية والسياسية لفتح قنوات للحوار وخفض التوتر، لكنها لا تملك بالضرورة أدوات فرض التسويات أو ضمان تنفيذها في جميع الملفات. فنجاح أي مسار للتهدئة يظل مرهونًا بإرادة الأطراف المعنية واستعدادها لتقديم تنازلات متبادلة.
وبالتالي، فإن بروز الصين كمروج للاستقرار في مضيق هرمز لا يعني أنها أصبحت بديلًا عن الولايات المتحدة في تأمين الملاحة، بقدر ما يعكس سعيها إلى حماية مصالحها الاستراتيجية عبر الدبلوماسية وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وبينما يظل المضيق نقطة حساسة في أمن الطاقة العالمي، ستبقى قدرة بكين على التأثير في مستقبله مرتبطة بمدى نجاحها في تحويل نفوذها الاقتصادي إلى تفاهمات سياسية مستدامة، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية لا تخدم مصالحها.
