أحمد ماهر أبو جبل: انتخابات أمريكا 2026 تعيد رسم موازين القوى.. وعبد الرحمن السيد يفتح بابًا جديدًا أمام المصريين في واشنطن
خبير إدارة الأزمات: خسارة ترامب للأغلبية في الكونجرس تعكس تكلفة الحرب مع إيران.. وتراجع الإجماع الأمريكي حول إسرائيل يستحق قراءة استراتيجية
أكد الدكتور أحمد ماهر أبو جبل، خبير إدارة الأزمات والمخاطر والدراسات الاستراتيجية، أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في 3 نوفمبر 2026 تمثل تحولًا سياسيًا مهمًا في الولايات المتحدة، وتتجاوز في دلالاتها مجرد انتقال السيطرة على الكونجرس من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، لتكشف عن تغيرات أعمق في اتجاهات الناخب الأمريكي، وانعكاسات السياسات الخارجية على الداخل الأمريكي، ومستقبل التحالفات الدولية.
وقال أبو جبل إن فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ يمثل ضربة سياسية كبيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويضع إدارته أمام مرحلة جديدة من الضغوط والرقابة البرلمانية، خاصة في ظل تصاعد الأعباء الاقتصادية وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
وأضاف أن اللافت في هذه الانتخابات هو اعتراف ترامب ونائبه جي دي فانس بتأثير الحرب في إيران على خسارة الجمهوريين، وهو ما يعكس حقيقة سياسية مهمة، مفادها أن المواطن الأمريكي قد يتقبل اختلافات السياسة الخارجية، لكنه يصبح أكثر رفضًا لها عندما تنعكس تكلفتها بصورة مباشرة على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة ومستوى الخدمات.
أحمد ماهر: عبد الرحمن السيد.. اختراق تاريخي في المؤسسة السياسية الأمريكية
وأشار أبو جبل إلى أن فوز السياسي الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن محمد السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشجن يمثل حدثًا تاريخيًا، إذ يصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد فوزه على المرشح الجمهوري مايك روجرز.
وأوضح أن أهمية هذا الفوز لا تتوقف عند الخلفية المصرية والعربية للسيناتور الجديد، وإنما تمتد إلى طبيعة برنامجه السياسي ومواقفه من قضايا الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية الأمريكية، خاصة انتقاد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل والمطالبة بإنهاء الحرب مع إيران.
وأكد أن وصول شخصية بهذه الخلفية إلى واحدة من أهم المؤسسات التشريعية الأمريكية يضيف صوتًا جديدًا إلى النقاش السياسي بشأن الشرق الأوسط، ويعكس تنوعًا متزايدًا داخل النخبة السياسية الأمريكية.
إسرائيل أمام تحدي تراجع الإجماع الحزبي الأمريكي
وفيما يتعلق بإسرائيل، قال أبو جبل إن أحد أهم التحولات التي تستحق المتابعة يتمثل في اتساع النقاش داخل الولايات المتحدة حول طبيعة الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، بعدما ظل هذا الملف لعقود طويلة يحظى بدرجة كبيرة من التوافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وأضاف أن تصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، خصوصًا داخل التيار التقدمي بالحزب الديمقراطي، يمثل تطورًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب.
وشدد على أن القراءة الدقيقة للمشهد تقتضي التمييز بين تراجع مستوى التوافق السياسي حول بعض السياسات الإسرائيلية وبين استمرار المصالح الاستراتيجية التي تحكم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
إيران.. مكاسب سياسية محتملة دون حسم عسكري
وأوضح خبير إدارة الأزمات أن نتائج الانتخابات الأمريكية قد تمنح إيران مساحة سياسية للمناورة، خاصة إذا أدت سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس إلى زيادة الضغوط على إدارة ترامب بشأن تمويل الحرب وتكاليفها والرقابة على القرارات العسكرية.
لكنه حذر من اعتبار خسارة الجمهوريين للأغلبية البرلمانية انتصارًا عسكريًا أو استراتيجيًا لإيران، مؤكدًا أن تغيير موازين القوى داخل الكونجرس لا يعني تلقائيًا انتهاء الحرب أو انتزاع الصلاحيات التنفيذية من الرئيس الأمريكي.
وأشار إلى أن الفارق كبير بين تراجع القدرة السياسية على إدارة حرب مكلفة وبين تراجع القدرات العسكرية الأمريكية، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار عند تحليل مستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران.
مستقبل الناتو.. هل تتجه أوروبا إلى استقلال دفاعي أكبر؟
وفي سياق متصل، لفت أبو جبل إلى أن الخلافات بين إدارة ترامب والحلفاء الأوروبيين بشأن الحرب في إيران تمثل اختبارًا مهمًا لمستقبل حلف شمال الأطلسي، خاصة مع تصاعد الانتقادات الأمريكية لمستوى مساهمة الدول الأوروبية في الأعباء الأمنية والعسكرية.
وأضاف أن استمرار هذه الخلافات قد يدفع أوروبا إلى تسريع النقاش بشأن بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل بعض ملامح النظام الأمني الغربي الذي استقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
واشنطن وموسكو وكييف.. خلافات محتملة بين البيت الأبيض والكونجرس
وأكد أبو جبل أن عودة الديمقراطيين للسيطرة على الكونجرس قد تفتح المجال أمام اختلافات أكبر مع البيت الأبيض بشأن إدارة العلاقة مع روسيا ومستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
وأوضح أن الكونجرس يمتلك أدوات تشريعية ورقابية ومالية يمكن أن تؤثر في توجهات السياسة الخارجية، لكنه لا يتحكم بصورة منفردة في جميع قرارات الرئيس المتعلقة بالعلاقات الدولية والأمن القومي.
مفارقة التاريخ والجغرافيا.. الإسماعيلية والإسكندرية في قلب المشهد
وتوقف أبو جبل أمام مفارقة تاريخية لافتة، تتمثل في أن أورا هرتسوج، والدة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج، وُلدت في مدينة الإسماعيلية المصرية، بينما ينتمي والد السيناتور الأمريكي الجديد عبد الرحمن السيد إلى مدينة الإسكندرية.
وقال إن هذه المفارقة تعكس كيف تتداخل الجغرافيا والهجرة والخلفيات الثقافية في تشكيل النخب السياسية المعاصرة، مشددًا على أن الأصول العائلية لا تحدد وحدها المواقف السياسية أو الولاءات الوطنية، وإنما تظل السياسات والمواقف والقرارات هي المعيار الحقيقي لتقييم الشخصيات العامة.
هل يصبح عبد الرحمن السيد أحد وجوه المستقبل السياسي الأمريكي؟
واختتم أبو جبل تصريحه بالتأكيد على أن صعود عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ قد يمنحه حضورًا وطنيًا أوسع داخل الحزب الديمقراطي، ويجعله من الشخصيات التي تستحق المتابعة في السنوات المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية الأمريكية لعام 2028.
وأضاف أن الوصول إلى البيت الأبيض يظل مسارًا مختلفًا تمامًا عن الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، ويتطلب بناء تحالفات سياسية واسعة وقاعدة انتخابية وطنية وقدرة على مخاطبة مختلف شرائح المجتمع الأمريكي.
واختتم الدكتور أحمد ماهر أبو جبل تصريحه قائلًا: «نحن لا نشهد مجرد انتخابات أمريكية غيرت الأغلبية داخل الكونجرس، وإنما أمام لحظة سياسية تتقاطع فيها خمسة ملفات كبرى: الحرب في إيران، ومستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وأزمة الثقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ومستقبل الصراع الروسي الأوكراني، وصعود وجوه سياسية جديدة داخل المؤسسة الأمريكية.
إن السؤال الأهم لم يعد فقط: من يسيطر على الكونجرس؟ وإنما: كيف ستعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الخارجية في ظل ضغوط الداخل وتغير اتجاهات الناخبين؟
فالتاريخ لا تصنعه الانتخابات وحدها، وإنما تصنعه القرارات التي تأتي بعدها، والقدرة على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى واقع جديد في النظام الدولي».
