في تحرك أمريكي جديد يضع البرنامج النووي الإيراني تحت دائرة الضوء مجددًا، فتحت واشنطن بابًا واسعًا أمام الحصول على معلومات استخباراتية بشأن الأنشطة النووية لطهران، معلنة عن مكافأة تصل إلى 20 مليون دولار، إلى جانب إمكانية نقل مكان إقامة من يقدم معلومات موثوقة عن المنشآت والمعدات والأشخاص المرتبطين بالبرنامج النووي الإيراني، في خطوة تثير تساؤلات عديدة بشأن حقيقة ما تمتلكه الولايات المتحدة من معلومات حول القدرات النووية الإيرانية، ومستقبل المواجهة بين البلدين.
اللافت في الإعلان الأمريكي أنه يأتي رغم التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل مهم: لماذا تبحث واشنطن عن معلومات جديدة بشأن برنامج تقول إنه تعرض للتدمير؟
20 مليون دولار مقابل أسرار البرنامج النووي الإيراني
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، اليوم السبت 7 نوفمبر 2026، أن برنامج وزارة الخارجية الأمريكية «مكافآت من أجل العدالة» يقدم مكافأة تصل إلى 20 مليون دولار، فضلًا عن إمكانية توفير مكان إقامة جديد، مقابل معلومات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
وبحسب البيان المنشور عبر منصة «إكس»، تشمل المعلومات المطلوبة تفاصيل عن المنشآت النووية الإيرانية، والمعدات المستخدمة، والأفراد المرتبطين بالبرنامج، بما في ذلك العاملون داخل المجتمع العلمي المتصل بالأنشطة النووية.
ويعكس الإعلان اهتمامًا أمريكيًا بالحصول على معلومات أكثر تفصيلًا عن مكونات البرنامج النووي الإيراني، ليس فقط على مستوى المواقع والمنشآت، وإنما أيضًا الأشخاص والخبرات العلمية التي يمكن أن تكون مرتبطة بتطوير القدرات النووية الإيرانية.
تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%.. النقطة الأكثر إثارة للقلق
وتكتسب الخطوة الأمريكية أهميتها من طبيعة الملف النووي الإيراني، خاصة في ظل التقارير الدولية السابقة بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم التي وصلت إليها طهران.
وأشارت القيادة المركزية الأمريكية إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أفادت خلال عام 2025 بأن إيران خصبت اليورانيوم بنسبة نقاء بلغت 60%، وهي نسبة مرتفعة للغاية مقارنة بمستويات التخصيب المستخدمة في معظم التطبيقات النووية المدنية.
وتكمن خطورة هذه النسبة في أن الوصول إلى مستوى 90%، المرتبط باليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية، يتطلب خطوات تقنية إضافية، وإن كان ذلك لا يعني أن امتلاك يورانيوم مخصب بنسبة 60% يساوي امتلاك سلاح نووي بالفعل.
ووفقًا لتقديرات الخبراء التي استندت إليها «سنتكوم»، فإن الكميات التي كانت محل تقييم قد تمثل مادة أولية يمكن، في حال مواصلة تخصيبها، أن تكفي لإنتاج عدة أسلحة نووية، وهو ما يفسر استمرار القلق الأمريكي والدولي بشأن مستقبل البرنامج الإيراني.
ترامب يتحدث عن تدمير البرنامج.. وواشنطن تبحث عن معلومات جديدة
من أكثر الجوانب إثارة في الإعلان الأمريكي توقيته، إذ يأتي في ظل تصريحات متكررة لدونالد ترامب بشأن تدمير القدرات النووية الإيرانية.
لكن الإعلان عن مكافأة مالية ضخمة مقابل معلومات عن المنشآت والمعدات والأفراد المرتبطين بالبرنامج يوضح أن واشنطن لا تزال تسعى إلى جمع معلومات استخباراتية بشأن هذا الملف، وتحديد ما تبقى من قدرات وخبرات مرتبطة به.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن التصريحات الأمريكية السابقة بشأن الضربات أو حجم الأضرار كانت غير صحيحة، لكنه يكشف أن تقييم البرنامج النووي الإيراني لا يتوقف عند نتائج العمليات العسكرية، بل يمتد إلى متابعة المنشآت والأفراد والقدرات الفنية المرتبطة به.
لماذا تستهدف واشنطن العلماء والمنشآت النووية الإيرانية؟
لا تقتصر أهمية البرنامج النووي على المباني والمنشآت وأجهزة الطرد المركزي، فالعنصر البشري يمثل جزءًا أساسيًا من أي مشروع نووي متقدم.
فالمعلومات المتعلقة بالعلماء والخبراء والفنيين، إلى جانب المعدات والتكنولوجيا المستخدمة، يمكن أن تساعد أجهزة الاستخبارات في تكوين صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة الأنشطة النووية، ومدى استمرارها، والقدرات التي يمكن إعادة تشغيلها أو تطويرها.
ومن هنا، فإن إدراج العاملين داخل المجتمع العلمي ضمن نطاق المعلومات المطلوبة يعكس اهتمام واشنطن بالجوانب الفنية والبشرية للبرنامج، وليس فقط بالمواقع الجغرافية المعروفة.
البرنامج النووي الإيراني.. ماذا تعني الخطوة الأمريكية للمرحلة المقبلة؟
تأتي هذه الخطوة في وقت لا يزال فيه الملف النووي الإيراني أحد أبرز مصادر التوتر في الشرق الأوسط، وسط مخاوف دولية من اتساع دائرة المواجهة بين واشنطن وطهران، وصعوبة التوصل إلى تفاهمات تضمن منع انتشار الأسلحة النووية.
وتحمل المكافأة الأمريكية رسائل متعددة؛ أولها أن جمع المعلومات الاستخباراتية بشأن إيران لا يزال أولوية لدى الإدارة الأمريكية، وثانيها أن واشنطن تريد الوصول إلى تفاصيل دقيقة بشأن القدرات النووية الإيرانية، وثالثها أن الملف لم يُغلق رغم التصريحات السياسية التي تحدثت عن تدمير البرنامج.
وفي المقابل، تظل طبيعة المعلومات التي تسعى الولايات المتحدة للحصول عليها، ومدى امتلاك إيران لقدرات نووية متبقية، من أبرز الأسئلة التي ستحدد اتجاهات هذا الملف خلال الفترة المقبلة.
20 مليون دولار ليست مجرد مكافأة مالية عادية، بل تعكس حجم الاهتمام الأمريكي بكشف ما تبقى من أسرار البرنامج النووي الإيراني، في وقت تتقاطع فيه الحسابات الاستخباراتية مع التوترات السياسية والعسكرية، ليبقى السؤال الأهم: هل انتهى بالفعل التهديد النووي الإيراني، أم أن واشنطن لا تزال تبحث عن الصورة الكاملة؟
