لم يعد الرهان على البحث العلمي مقتصرًا على إنتاج الدراسات والأبحاث داخل الجامعات، بل أصبح التحدي الحقيقي هو تحويل المعرفة إلى حلول قابلة للتطبيق، وربط عقول الباحثين باحتياجات الصناعة والمجتمع. ومن هذا المنطلق، تتحرك الدولة لتنفيذ مبادرة «دولة الابتكار» عبر حزمة واسعة من البرامج التمويلية والشراكات الدولية والمبادرات الجامعية، تستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من منظومة البحث والتطوير، وفتح مسارات جديدة أمام الطلاب والباحثين والمبتكرين للانتقال من الفكرة إلى المنتج.

نوصى بقرأة :

مايا مرسي تطلق تدريبًا لتأهيل 50 موظفًا بالتضامن الاجتماعي على الإسعافات الأولية وإنقاذ الأرواح

16 نداءً وبرنامجًا جديدًا تستهدف 30 ألف باحث

في خطوة تستهدف توسيع فرص التعاون العلمي وتبادل الخبرات، يجري إطلاق 16 نداءً وبرنامجًا جديدًا تستهدف نحو 30 ألف باحث، وتتوزع بين شراكات دولية وبرامج بحثية وابتكارية، بما يتيح للباحثين الاستفادة من التجارب والخبرات العلمية خارج مصر.

وتشمل هذه البرامج دعم التبادل العلمي والتعاون البحثي مع ألمانيا وفرنسا، وإطلاق برامج للابتكار بالتعاون مع إسبانيا، إلى جانب التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال حماية التراث الثقافي من تداعيات التغيرات المناخية.

وتعكس هذه الشراكات توجهًا نحو توظيف التعاون الدولي في تطوير القدرات البحثية، وإتاحة فرص أوسع لتبادل المعرفة والخبرات، وتعزيز حضور الباحثين والمبتكرين في المشروعات العلمية والتكنولوجية المشتركة.

البحث العلمي يدخل خطوط الإنتاج عبر شراكات جديدة

ومن أبرز التحركات التي تستهدف تغيير العلاقة بين المؤسسات البحثية والقطاع الصناعي، توقيع مذكرتي تفاهم خلال احتفالية «آفاق جديدة للبحث والابتكار»، بحضور وزراء التعليم العالي والإنتاج الحربي والصناعة.

وجمعت المذكرتان هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار مع كل من الهيئة القومية للإنتاج الحربي ومركز تحديث الصناعة، بهدف توجيه جهود البحث والتطوير نحو الاحتياجات الفعلية للإنتاج والتصنيع.

ولا تقتصر أهمية هذا التعاون على تبادل الخبرات، بل تمتد إلى الاستفادة من الإمكانات البحثية والتكنولوجية في تطوير المنتجات وتوطين التكنولوجيا، وربط المؤسسات العلمية بالتحديات التي تواجه المنشآت الصناعية، بما يعزز فرص انتقال نتائج الأبحاث من المعامل إلى خطوط الإنتاج.

تمويل يصل إلى 3 ملايين جنيه لأول مشروع بحثي مستقل

وعلى مستوى دعم الباحثين، تتضمن الحزمة الجديدة برامج تمويلية تستهدف المراحل المختلفة للمسار البحثي، بداية من الدراسات العليا وحتى تمكين الباحثين حديثي الحصول على الدكتوراه من تنفيذ مشروعاتهم المستقلة.

وتشمل المنح تمويل طلاب الماجستير بحد أقصى 250 ألف جنيه، وطلاب الدكتوراه بحد أقصى 350 ألف جنيه، إلى جانب إتاحة تمويل يصل إلى 3 ملايين جنيه لأول مشروع بحثي مستقل للباحثين الحاصلين حديثًا على الدكتوراه.

كما تتضمن البرامج إطلاق برنامج «ASPIRE» لدعم الابتكار في مجالات العلوم التطبيقية والتكنولوجية والتصنيع بالشراكة مع القطاع الصناعي، بما يتيح توجيه المشروعات البحثية نحو تطبيقات عملية ذات قيمة إنتاجية.

ومن بين المبادرات اللافتة أيضًا نداء «أستاذ لكل مصنع»، الذي يستهدف إتاحة الفرصة للباحثين للعمل داخل المنشآت الصناعية لفترات تتراوح بين 4 و6 أشهر، لدراسة مشكلات الإنتاج والتوصل إلى حلول بحثية وتطبيقية تسهم في تطوير الأداء الصناعي.

وتشمل منظومة التمويل كذلك دعم بحوث العلوم الأساسية في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والجيولوجيا، مع منح أولوية للفيزياء الكمية والرياضيات التطبيقية، باعتبارهما من المجالات العلمية التي تدعم التطور التكنولوجي والابتكار.

من الفكرة إلى النموذج الأولي.. مسار جديد لاحتضان الابتكارات

ولا تتوقف المبادرة عند تمويل الأبحاث، إذ تمتد إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالتطبيق، من خلال برامج تستهدف مساعدة المبتكرين على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى نماذج أولية قابلة للاختبار، تمهيدًا للتطبيق الصناعي أو تأسيس شركات ناشئة.

وتشمل الحزمة برنامج الشركاء المؤسسي في المراحل المبكرة، الذي يدعم تكوين فرق الشركات الناشئة واستكمال المهارات الفنية والتجارية اللازمة لبناء مشروعات قادرة على استكمال مسارها.

كما تتيح مبادرة المعامل والتدريب المتخصص لطلاب الجامعات الاستفادة من الأجهزة والإمكانات البحثية، إلى جانب تنظيم المدارس الصيفية والشتوية، ودعم التطبيقات العملية ومشروعات التخرج.

وتكتسب هذه البرامج أهميتها من استهدافها إحدى المراحل الحاسمة في رحلة الابتكار، وهي الانتقال من امتلاك الفكرة إلى اختبار جدواها وإثبات قدرتها على التحول إلى مشروع قابل للتنفيذ.

هاكاثونات الجامعات ومشروعات التخرج لمواجهة تحديات الصناعة

وفي إطار توسيع مشاركة الشباب في منظومة الابتكار، تتضمن المبادرات إطلاق سلسلة «هاكاثونات جامعات مصر»، لربط الأفكار الطلابية بالتحديات الوطنية والصناعية، وتشجيع الطلاب والباحثين على تقديم حلول مبتكرة للمشكلات القائمة.

كما تتضمن دعم مشروعات التخرج التي تستهدف معالجة تحديات صناعية ومجتمعية، مع توفير التمويل والمتابعة للمشروعات الواعدة، لمساعدتها على استكمال مراحل التطوير ودراسة فرص تطبيقها بعد انتهاء الدراسة الجامعية.

ويعني هذا التوجه أن مشروعات التخرج لن تظل مجرد متطلبات أكاديمية، بل يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لمشروعات بحثية وإنتاجية، متى امتلكت القدرة على تقديم حلول عملية قابلة للتطوير.

«جاهزية الجامعات» و«إحنا سامعينك» لاكتشاف عقول المبتكرين

ومن داخل الجامعات، تركز المبادرات الجديدة على بناء منظومة قادرة على اكتشاف المواهب الطلابية وعدم ترك الأفكار الواعدة دون رعاية أو متابعة.

وفي هذا السياق، تستهدف مبادرة «جاهزية الجامعات» (U-IGNITE) تجهيز مراكز الابتكار وريادة الأعمال بالجامعات، وتدريب فرق متخصصة تتولى اكتشاف الابتكارات الطلابية ورعايتها والعمل على تطويرها.

كما تطلق مبادرة «إحنا سامعينك» قناة وطنية تتيح للطلاب تسجيل أفكارهم وابتكاراتهم، وتكوين قاعدة بيانات للمواهب والأفكار الواعدة، بما يساعد على التعرف على الطاقات الابتكارية وربطها بالفرص والتحديات ذات الأولوية.

منظومة متكاملة تربط البحث العلمي بالاقتصاد

وتكشف تفاصيل حزمة المبادرات عن توجه يتجاوز زيادة أعداد المنح أو إتاحة تمويلات بحثية جديدة، إلى إعادة بناء مسار الابتكار بصورة مترابطة؛ يبدأ باكتشاف الأفكار داخل الجامعات، ثم توفير التدريب والتمويل والإمكانات البحثية، مرورًا بتطوير النماذج الأولية واختبارها، وصولًا إلى التصنيع وتأسيس الشركات الناشئة.

وتبرز أهمية هذا المسار في الجمع بين ثلاثة عناصر أساسية: الباحث الذي يمتلك المعرفة، والمؤسسة التي توفر التمويل والإمكانات، والقطاع الصناعي الذي يحدد احتياجات التطبيق ويستفيد من نتائج البحث.

وبذلك تضع مبادرة «دولة الابتكار» أمام الباحثين والطلاب فرصًا متعددة للمشاركة في منظومة لا تنظر إلى البحث العلمي باعتباره نشاطًا أكاديميًا منفصلًا، وإنما باعتباره أحد محركات التطوير التكنولوجي والإنتاجي، وأداة لتحويل الأفكار المصرية إلى حلول ومشروعات ذات أثر ملموس.

نوصى بقرأة :

تحذير لمستفيدي تكافل وكرامة.. صفحات مزيفة تستهدف بياناتكم والتضامن تكشف التفاصيل