أكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، أن بلاده تكثف جهودها الدبلوماسية واتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية للحيلولة دون اندلاع موجة جديدة من التصعيد في المنطقة، محذرا من أن دول الشرق الأوسط لم تعد تحتمل مزيدا من المواجهات العسكرية، في ظل التداعيات الأمنية والاقتصادية التي خلفتها الصراعات الأخيرة.
وقال رئيس الوزراء القطري، خلال كلمة ألقاها أمام اتحاد أكسفورد في مدينة أكسفورد، اليوم السبت، بعنوان «الازدهار في عالم منقسم: الدول الصغيرة وإعادة رسم خريطة التأثير العالمي»، إن الوسطاء القطريين يواصلون العمل مع الأطراف المعنية لمنع تجدد المواجهات، مؤكدا أن الاتصالات الدبلوماسية لم تتوقف، وأن الدوحة لا تزال تسعى إلى احتواء التوترات وتهيئة الظروف للتوصل إلى تسوية سياسية.
ونقلت وكالة الأنباء القطرية «قنا» عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن الصراع الأخير في المنطقة والاعتداءات التي تعرضت لها قطر أعادا التأكيد على أهمية الدور الذي تضطلع به الدول الصغيرة في الوساطة وتسوية النزاعات، مشيرا إلى أن بلاده تحركت رغم صعوبة الظروف، وأسهمت بصورة جوهرية في الجولة الأولى من المفاوضات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم، بما ساعد على تجنيب المنطقة اتساع نطاق الفوضى في وقت كانت فيه مخاطر التصعيد الإقليمي مرتفعة.
تحركات قطرية مكثفة بين طهران وواشنطن
وأوضح أن التحديات التي واجهت تنفيذ مذكرة التفاهم لم تدفع الدوحة إلى وقف جهودها، بل واصلت العمل بالتنسيق مع شركائها الإقليميين لمنع اندلاع جولة جديدة من المواجهات، كاشفا أن الوفد القطري زار طهران خمس مرات خلال أسبوع واحد، وعقد اجتماعات استمر بعضها 18 و20 ساعة، في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تحول دون عودة العمليات العسكرية.
وأضاف أن التواصل مع المسؤولين في الإدارة الأمريكية، إلى جانب الأطراف التي تتبنى نهجا أكثر اعتدالا داخل إيران، أسهم في منع خروج الأوضاع عن السيطرة، لافتا إلى وجود رغبة في مواصلة التحرك نحو الحل، وضرورة البناء على ما تحقق من تقدم، بدلا من انتظار اتفاق مثالي قد يؤدي التمسك بشروطه إلى تعطيل التوصل إلى تفاهم يحد من التصعيد.
وشدد رئيس الوزراء القطري على أهمية استمرار الحوار مع جميع الأطراف وتقريب وجهات النظر، وعدم السماح للمواقف المتشددة بإفشال المسار الدبلوماسي، مؤكدا أن التوصل إلى مذكرة التفاهم أثبت إمكانية إحراز تقدم، وأن الوصول إلى تسوية نهائية لا يزال ممكنا رغم تعقيدات المفاوضات وصعوبة القرارات المطلوبة.
وحذر من أن العودة إلى العمليات العسكرية لن تقدم حلولا للقضايا العالقة، بل ستضيف أعباء جديدة إلى دول المنطقة وشعوبها، بما في ذلك الشعب الإيراني، الذي تحمل بالفعل كلفة المواجهات السابقة.
الملف النووي وأمن الخليج وحرية الملاحة
وأشار الشيخ محمد بن عبد الرحمن إلى أن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل في معالجة الملف النووي الإيراني، وضمان حرية الملاحة البحرية وأمن الخليج، باعتبارها قضايا تتجاوز حدود المنطقة وتمتد آثارها إلى الاقتصاد والتجارة الدوليين.
وأكد أن تحقيق أمن مستدام في الخليج يستلزم إطلاق حوار مباشر بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، للتوصل إلى إطار أمني يراعي شواغل جميع الأطراف ويضمن عدم تهديد أمن أي دولة، موضحا أن معالجة المخاوف الإيرانية ينبغي أن تسير بالتوازي مع الاستجابة للهواجس الأمنية لدول الخليج.
ولفت إلى أن اتصالاته مع وزراء خارجية دول المنطقة تعكس وجود رسالة مشتركة تدعو إلى إنهاء الصراع وتجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة، مشيرا إلى أن أي ترتيبات أمنية لا يمكن أن تقوم على الوعود وحدها، وإنما تحتاج إلى خطوات عملية وضمانات متبادلة بعدم الاعتداء أو التهديد باستخدام القوة، إلى جانب إجراءات لبناء الثقة وتوسيع المصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، تحدث عن الإمكانات الكبيرة التي يمكن أن يحققها التعاون الاقتصادي بين دول الخليج وإيران عقب تسوية الملف النووي، في ظل ما تمتلكه المنطقة من موارد طبيعية وطاقات بشرية قادرة على دعم التنمية والازدهار.
غزة ولبنان في صلب معادلة الاستقرار الإقليمي
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، أكد رئيس الوزراء القطري أنها تظل في صميم الأزمات السياسية التي لم تعالج جذورها، مشيرا إلى أن المنطقة لم تشهد استقرارا منذ السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب في قطاع غزة واتساع جبهات المواجهة.
وأوضح أن جهود الوساطة تعرضت لانتكاسات متكررة نتيجة مواقف الحكومة الإسرائيلية وتغييرها المستمر للوقائع على الأرض ورفع سقف مطالبها، محذرا من أن الاتفاقات التي لا تتناول القضايا الأساسية لن تضمن استقرارا مستداما، خصوصا في ظل استمرار الخلافات بشأن الانسحاب وحق سكان غزة في العيش بصورة طبيعية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وشدد على أن أي تسوية لا تتضمن معالجة هذه الملفات ستبقي احتمالات تجدد التصعيد قائمة، وستعرض المنطقة بأسرها لمخاطر استمرار الصراع.
وفيما يتعلق بلبنان، أشار إلى استمرار القصف رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار، واستمرار الاحتلال دون تحديد جدول زمني للانسحاب، فضلا عن القيود المفروضة على عمل الجيش اللبناني في الجنوب.
وأكد أن تجاهل القانون الدولي والتعامل بمنطق الإفلات من العقاب، إلى جانب انتهاك القواعد المنظمة للعلاقات الدولية، يضع المنطقة أمام مخاطر مستمرة ويقوض فرص الوصول إلى استقرار طويل الأمد.
الدول الصغيرة وتحديات النظام الدولي
وفي جانب آخر من كلمته، تناول رئيس الوزراء القطري التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مشيرا إلى أن تحقيق الاستقرار في عالم تتزايد فيه النزاعات يتطلب رؤية متكاملة للسلام، لا تقتصر على احتواء الأزمات بعد اندلاعها، بل تشمل اتخاذ تدابير وقائية والاستجابة للصراعات والعمل على إنهائها، مع الحفاظ على المقومات التي تضمن استدامة السلام.
ولفت إلى أن المؤسسات الدولية تواجه تساؤلات متزايدة بشأن قدرتها على مواكبة التحولات العالمية والاستجابة للأزمات بفاعلية، في وقت تتدخل فيه التكتلات الإقليمية وغير الإقليمية بصورة متزايدة لملء الفراغ الذي خلفه قصور المؤسسات القائمة.
وأوضح أن الفرص الاقتصادية أصبحت أكثر عالمية وترابطا، بينما لا تزال القرارات المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين تتركز في أيدي عدد محدود من الأطراف، الأمر الذي يستبعد دولا كثيرة، رغم أهميتها للازدهار العالمي، من المشاركة في صياغة القرارات التي تحدد مستقبل الأمن والاستقرار.
واعتبر أن الحرب الدائرة في المنطقة كشفت بوضوح تداعيات هذا الخلل، إذ أدت عقود من النزاعات غير المحسومة والمغامرات العسكرية وانتهاكات القانون الدولي والطموحات الرامية إلى الهيمنة الإقليمية إلى اضطراب إمدادات الطاقة وتهديد طرق الملاحة البحرية الحيوية، فضلا عن زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
وأضاف أن تداعيات الصراعات لا تقتصر على الدول المنخرطة فيها، بل تمتد إلى دول أخرى تتحمل أعباء اقتصادية وأمنية رغم عدم مشاركتها في تلك المواجهات، مشيرا إلى أن الدول الصغيرة أصبحت من بين أكثر الأطراف تعرضا لتبعات نزاعات لم تكن طرفا في اندلاعها.
واختتم رئيس الوزراء القطري بالتأكيد على أن السلام والاستقرار الدوليين ليسا رفاهية بالنسبة إلى الدول الساعية إلى الازدهار، بل يمثلان أساس مسيرتها الوطنية، مشددا على أن مسؤولية الحفاظ على الأمن لا يمكن إلقاؤها على عاتق الآخرين، وأن بناء مستقبل أكثر استقرارا يتطلب مشاركة أوسع في صناعة القرارات الدولية، وتسوية النزاعات من جذورها، وإقامة ترتيبات أمنية تضمن عدم تهديد أي طرف للآخر أو التدخل في شؤونه الداخلية.
تصعيد إسرائيلي مرتقب.. نتنياهو يهدد باقتحام أحياء الضفة وإجلا...
