في عمق الصحراء شمال مدينة الفاشر، عاصمة إقليم شمال دارفور غربي السودان، يبرز جبل عامر كأحد أبرز رموز الثروة والصراع في البلاد. فمنذ اكتشاف مخزون ضخم من الذهب فيه عام 2012، تحوّل الجبل إلى ساحة للثراء السريع والنزاعات الدموية، إذ تنازعت عليه القبائل والمليشيات، حتى أصبح اليوم أحد أبرز منابع التمويل لقوات الدعم السريع التي تقود الحرب ضد الجيش السوداني.
منجم الذهب الذي أشعل الحروب
يقع جبل عامر في محلية السريف، على بعد نحو 100 كيلومتر شمال الفاشر، وتم اكتشاف الذهب فيه بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، حين فقدت الخرطوم 75% من عائدات النفط، ما دفعها للبحث عن بدائل اقتصادية.
وفي عامي 2013 و2014 اندلعت معارك طاحنة بين قبيلتي بني حسين والرزيقات للسيطرة على مناجم الجبل، قبل أن تؤول السيطرة إلى زعيم المحاميد موسى هلال، أحد أبرز مؤسسي ميليشيا الجنجويد.
لكن سرعان ما دخل هلال في خلافات مع نظام البشير ورفض دمج قواته ضمن الدعم السريع. وفي عام 2017، شنت قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) حملة عسكرية اعتقلت هلال وأتباعه، لتضع يدها رسميًا على مناجم الذهب.
سيطرة آل دقلو عبر “شركة الجنيد”
منذ ذلك العام، أصبحت شركة الجنيد القابضة، المملوكة لعبد الرحيم دقلو شقيق حميدتي، هي الجهة المسيطرة على مناجم جبل عامر، لتتحول الثروة المعدنية إلى رافعة مالية وسياسية لقوات الدعم السريع، تُستخدم لبناء شبكة نفوذ إقليمية ودولية.
وفي عام 2021، أعلنت حكومة عبد الله حمدوك توليها إدارة المنجم بعد “تنازل” من شركة الجنيد، لكن الوثائق المسرّبة أشارت إلى صفقة مثيرة للجدل تضمنت تعويضات ضخمة تجاوزت 50 مليون دولار، واستحواذ الجنيد على 70% من أسهم شركة "سودامين" الحكومية، إضافة إلى امتيازات ضريبية وحصص في مناجم أخرى.
ثروة منهوبة وتنمية غائبة
رغم أن التقديرات تشير إلى إنتاج نحو 50 طناً من الذهب سنويًا، إلا أن الجزء الأكبر من المعدن النفيس يُهرّب إلى الخارج دون المرور عبر القنوات الرسمية، وفق مسؤولين حكوميين سودانيين.
ولم ينعكس هذا الثراء على سكان المنطقة، الذين يعيشون أوضاعًا متدهورة، بعدما تحوّل جبل عامر إلى ساحة صراع ومصدر للنزوح الجماعي والانتهاكات المسلحة.
من الذهب إلى الحرب الشاملة
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، اكتسبت الفاشر وجبل عامر أهمية مضاعفة.
فمنذ مايو 2024، فرضت ميليشيا الدعم السريع حصارًا خانقًا على المدينة، مانعة دخول الغذاء والدواء، بينما تصدت القوات المشتركة والجيش لهجمات متكررة على المدينة.
وبعد أشهر من القتال، أعلنت الدعم السريع مؤخرًا سيطرتها على مقر قيادة الجيش في الفاشر، لتسقط آخر معاقل القوات المسلحة في دارفور، وسط اتهامات بإعدامات ميدانية ومجازر ضد المدنيين.
كارثة إنسانية وتنديد أممي
الأمم المتحدة وصفت الوضع في الفاشر بأنه “شديد الخطورة”، وأكد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن تقارير ميدانية تشير إلى فظائع ذات دوافع عرقية بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة.
كما أظهر تقييم أممي أن 38% من الأطفال دون الخامسة في مخيمات النزوح يعانون من سوء تغذية حاد.
الفاشر.. العاصمة المنكوبة
تُعرف الفاشر بـ"مدينة السلاطين" و"بوابة المعادن"، وتعد مركزاً تاريخياً وسياسياً لإقليم دارفور الذي تبلغ مساحته نحو 493 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب نصف مساحة مصر.
ويضم الإقليم ثروات ضخمة من الذهب، والبترول، واليورانيوم، إضافة إلى ثروة حيوانية تقدر بنحو 30 مليون رأس من الماشية.
لكن سقوط الفاشر بيد الدعم السريع يعني عمليًا سيطرة الميليشيا على كامل دارفور، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة لتقسيم البلاد على غرار النموذج الليبي، وفق تحذيرات دولية وأمريكية.
واشنطن تحذر من التقسيم والبرهان يتوعد بالقصاص
قال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إن التطورات في الفاشر “قد تكون بداية لتقسيم السودان”، مشددًا على أن بلاده وشركاءها في "الرباعية" (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات) يسعون لفرض هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تمهيدًا لمرحلة انتقالية.
في المقابل، تعهد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بالقصاص لأهالي الفاشر، مؤكدًا أن “الجرائم التي ارتُكبت في المدينة لن تمر دون حساب”، وأن الجيش “سيواصل القتال حتى تطهير البلاد من المرتزقة والميليشيات المأجورة”.
