في أكبر تحول عسكري وسياسي تشهده اليمن منذ سنوات، أدت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة إلى إشعال خلاف حاد مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي اعتبرت الخطوة تقويضاً مباشراً لسلطتها وتهديداً لوحدة القرار الأمني والعسكري في البلاد. وتشكّل المحافظتان نحو نصف مساحة اليمن، مما يجعل السيطرة عليهما حدثاً مفصلياً يعيد رسم موازين القوى داخل الجنوب بشكل غير مسبوق.
وخلال أيام قليلة فقط، تحركت قوات المجلس الانتقالي من محافظات جنوبية مثل عدن وشبوة نحو حضرموت والمهرة، وتمكنت من بسط سيطرتها على مواقع حيوية دون مقاومة تُذكر، في مشهد أثار تساؤلات حول طبيعة التفاهمات الإقليمية وشكل الترتيبات الجديدة في الخارطة اليمنية. فالمحافظتان كانتا بعيدتين نسبياً عن الصراع طيلة السنوات الماضية، وهو ما يجعل التحول المفاجئ في وضعهما العسكري حدثاً لافتاً.
وفي رد فعلي سياسي واضح، غادرت الحكومة اليمنية العاصمة المؤقتة عدن متوجهة إلى السعودية، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها احتجاج مباشر على توسع الانتقالي في أهم المحافظات الشرقية. وبحسب مصادر حكومية، فإن مغادرة أعضاء الحكومة جاءت بعد أيام من خروج رئيس مجلس القيادة الرئاسي من قصر معاشيق، قبل أن تسيطر قوات المجلس الانتقالي على المجمع الرئاسي بالكامل، ما ضاعف من حالة التوتر داخل عدن.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند البعد السياسي، إذ شهد مطار عدن إرباكاً كبيراً بعد توقف رحلات الخطوط الجوية اليمنية لساعات، قبل أن تُستأنف جزئياً. ورغم صدور بيان من وزارة النقل – المحسوبة على المجلس الانتقالي – يشير إلى “أسباب فنية”، إلا أن التوقيت عزز الشعور العام بوجود أزمة متصاعدة داخل مؤسسات الدولة في عدن.
من جانبه، حاول المجلس الانتقالي احتواء المخاوف، مؤكداً أن عدداً من أعضاء الحكومة غادروا لأسباب غير معلنة، بينما بقي وزراء آخرون في عدن يمارسون أعمالهم، خاصة من الجنوب. وأكد المتحدث باسم المجلس أن الانتقالي حريص على توفير بيئة عمل آمنة للحكومة، وأنه يدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي انعكس – بحسب قوله – على تحسن قيمة العملة وزيادة القدرة الشرائية للمواطن.
لكن خطاب التطمينات هذا لم يخفف من حدة التحذيرات الصادرة عن رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، التي اعتبرت الإجراءات الأحادية للانتقالي تهديداً صريحاً للاستقرار وتقويضاً لشرعية الحكومة، خصوصاً أن أي اضطراب في حضرموت والمهرة قد ينعكس على دفع الرواتب وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء، ما قد يؤدي إلى اتساع الأزمة الإنسانية مجدداً بعد أشهر من التحسن المحدود.
وتأتي هذه التطورات فيما تشهد حضرموت تحديداً حالة من التوتر العسكري، بعد توقف محدود لإنتاج النفط نتيجة الاشتباكات التي شهدتها منطقة المسيلة. وقد انتشرت قوات النخبة الحضرمية، التابعة للمجلس الانتقالي، داخل مواقع نفطية عقب انسحاب القوات القبلية بموجب اتفاق هدنة رعته السعودية، ما يعكس حجم التنافس القائم على المحافظة الأغنى بالثروات الطبيعية.
ولا يمكن فصل المشهد المحلي عن الصراع الإقليمي بين السعودية والإمارات، إذ يحظى المجلس الانتقالي بدعم إماراتي واضح، بينما يُعد الحلف القبلي في حضرموت أقرب إلى السعودية. وتشير تحليلات دولية إلى أن الخلاف بين الدولتين، اللتين خاضتا سنوات من التنسيق داخل التحالف العسكري في اليمن، اتسع نتيجة اختلاف الأولويات مؤخراً، خاصة مع محاولات السعودية الدفع نحو تسوية مع الحوثيين في الشمال، مقابل رغبة الإمارات في تعزيز نفوذ حلفائها في الجنوب قبل أي اتفاق شامل.
وتتزامن التطورات العسكرية مع تداول واسع لمحتوى مضلل على منصات التواصل الاجتماعي، مثل الفيديو الذي انتشر بزعم أنه يوثق قصفاً لقوات الانتقالي في حضرموت، قبل أن يتبين أنه يعود لاشتباكات بين تايلاند وكمبوديا. ويعكس هذا المشهد حالة الارتباك الإعلامي المصاحبة للتصعيد العسكري، إلى جانب محاولة أطراف عدة استثمار الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية.
وتكتسب حضرموت أهمية استثنائية، ليس فقط لكونها أكبر محافظات اليمن، بل أيضاً لثقلها الاقتصادي، حيث تضم حقول النفط الرئيسية في البلاد، إضافة إلى موقعها البحري وتاريخها الحضاري الممتد آلاف السنين. وتعد مدينة المكلا مركزها الإداري، فيما تضم مدناً تاريخية مثل شبام وتريم، التي تمثل إرثاً عمرانياً وثقافياً فريداً. كما لعبت حضرموت عبر التاريخ دوراً محورياً في التجارة ونشر الإسلام في آسيا وأفريقيا، بفضل هجرات أهلها الواسعة وقدرتهم على بناء شبكات تجارية مؤثرة.
لكن هذا الإرث التاريخي والثقل الاقتصادي لم يمنعا حضرموت من الوقوع في قلب صراع النفوذ، خصوصاً مع تصاعد التنافس بين القوات المحلية المدعومة من أطراف إقليمية. ويؤكد هذا أن المحافظة باتت اليوم محوراً رئيسياً لأي معادلة مستقبلية في اليمن، سواء تعلق الأمر بشكل الدولة أو توزيع السلطات أو مستقبل الجنوب ذاته.
ومع استمرار الانسحابات، والتحركات العسكرية، وتعثر التفاهمات السياسية، يبدو أن حضرموت والمهرة تتحولان تدريجياً إلى مركز لإعادة رسم الخريطة اليمنية، في وقت تتراجع فيه سلطة الحكومة الشرعية ويصعد نفوذ القوى المحلية المدعومة خارجياً. ومع غياب أي حلول واضحة، يبقى اليمن أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، قد تحدد مستقبل البلاد لسنوات طويلة قادمة.
