تعرض متحف اللوفر في فرنسا مؤخراً لأزمة غير مسبوقة، حيث أدى تسرب مياه في أواخر نوفمبر إلى إتلاف نحو 400 كتاب ووثيقة نادرة في مكتبة الآثار المصرية. وأفاد موقع "لا تريبين دو لار" المتخصص بتاريخ الفن والتراث الغربي، أن السبب الرئيسي وراء الحادث يعود إلى سوء حالة الأنابيب، مشيراً إلى أن إدارة المتحف كانت تسعى منذ وقت طويل للحصول على تمويل يحمي هذه المجموعات من المخاطر، لكنها لم تنجح في ذلك.
وجاء هذا الحادث بعد سلسلة من المشكلات الأمنية والإدارية، بما في ذلك سرقة مجوهرات ملكية في أكتوبر وإضراب للموظفين في ديسمبر بسبب سوء البنية التحتية والظروف الصعبة. وفتح تسرب المياه باب التساؤلات حول طبيعة الوثائق والكتب المصرية التي تأثرت، وسط قلق واسع بين المهتمين بالآثار المصرية حول العالم.
وعلّق الدكتور هاني محمد عيسى، مدرس التاريخ المصري القديم بقسم التاريخ كلية الآداب جامعة عين شمس، على حادث غرق مئات الكتب والمخطوطات النادرة في قبو مكتبة متحف اللوفر، مؤكداً أن الكارثة وقعت بسبب إهمال طويل في صيانة شبكة الصرف الصحي أعلى المكتبة، ما أدى لتسرب مياه مليئة بالأحماض تسببت في تآكل وتلف كتب لا تُقدر بثمن، بعضها نسخ وحيدة في العالم.
وأوضح هاني لـ"خمسة سياسة" أن إدارة المتحف فوجئت في 25 نوفمبر بتغطية مياه الصرف الصحي للجزء السفلي من المكتبة، وهو القسم المخصّص لحفظ الكتب النادرة والبرديات، والمعروف بأنه يضم أعمال رواد الحفائر الأوائل مثل جريفيث وشبيجلبرج وميشيل مالينين، إلى جانب منشورات نادرة من القرن الثامن عشر والتاسع عشر، بل وكتب لا يوجد منها سوى نسخة واحدة.
وقال إن مسؤول المكتبة حاول التخفيف من حجم الأزمة بالتصريح بأن الضرر يقتصر على نحو 400 كتاب، لكن هذا الرقم بحد ذاته "مهول"، خاصة أنها كتب تُعد جزءًا من التراث الإنساني والمصري، وأن أي كتاب نادر يُمثل قيمة لا تُقدّر بمال.
وأشار هاني إلى أن المشكلة لم تكن في تسرب مياه عادية، بل مياه صرف صحي تحتوي على أحماض وأكاسيد تعمل على تآكل المعادن، فكيف بالورق القديم الأصفر الهش الذي تجاوز عمره مئات السنين. وأكد أن بعض الكتب تلفت بالكامل ولا يمكن ترميمها، بينما سيُحاول المختصون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقية المجموعة المتضررة.
وأضاف أن هذه الحادثة تأتي بعد فترة قصيرة من أزمة سرقة متحف اللوفر، ما يجعلها "الضربة الثانية" للمؤسسة الثقافية الأكبر عالميًا، في وقت تُعرف فيه باريس بتمسكها بالبنية التحتية القديمة ورفض التحديث حفاظًا على الطابع التاريخي للمدينة، ما يؤدي لتكرار المشكلات.
وشبّه الدكتور هاني أهمية الصيانة الدورية للمتاحف بصيانة الكهرباء والسباكة في المنازل، مؤكداً أن "أخطر بندين" هما السباكة والكهرباء، وأن تجاهل المشكلات الصغيرة يؤدي إلى كوارث جسيمة، كما حدث سابقًا في حريق المتحف البرازيلي الذي دمّر آلاف القطع الأثرية.
وشدد على ضرورة مراقبة أنظمة الصيانة في المتاحف المصرية، خاصة مع قرب افتتاح المتحف المصري الكبير، مؤكدًا أن التراث لا يُقدّر بمال، وأن حماية الكتب والمخطوطات النادرة مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
