بينما تتجه أنظار الملايين من عشاق القارة السمراء مساء اليوم صوب ملعب "أدرار" بمدينة أغادير المغربية، لمتابعة الصدام المرتقب بين المنتخب المصري ومنتخب جنوب أفريقيا ضمن منافسات كأس أمم أفريقيا 2025.
ويبدو أن المشهد أعمق بكثير من مجرد 90 دقيقة من التنافس الكروي، فهذه المواجهة، رغم حساسيتها الرياضية وتأثيرها على مسار المجموعة الثانية، ما هي إلا فصل واحد في رواية طويلة من العلاقات التاريخية والروابط الاستراتيجية التي تجمع بين قطبي القارة شمالاً وجنوباً.
لا يمكن قراءة مشهد اليوم دون العودة إلى الجذور؛ فالعلاقة بين القاهرة وبريتوريا تعمدت بمداد النضال ضد الاستعمار والفصل العنصري، كانت مصر من أوائل الدول التي فتحت أبوابها للزعيم الراحل "نيلسون مانديلا" في ستينيات القرن الماضي، وقدمت دعماً سياسياً وعسكرياً وإعلامياً غير محدود لحركة "المؤتمر الوطني الأفريقي" في معركتها ضد نظام الـ "أبارتايد".. هذا الإرث التاريخي خلق نوعاً من الاحترام المتبادل الذي يتجاوز حدود الملاعب، ليجعل من مباراة اليوم "ديربي الأشقاء" في القارة.
على الصعيد السياسي، تمثل مصر وجنوب أفريقيا الثقل الوازن في الاتحاد الأفريقي، فهناك تنسيق دائم بين القيادتين في ملفات السلم والأمن، ومبادرة "إسكات البنادق"، وإصلاح مجلس الأمن الدولي لضمان تمثيل عادل للقارة.. كما يتجلى هذا الترابط في عضوية البلدين ضمن مجموعة "بريكس+"، وهو التكتل الاقتصادي الذي يجمعهما بهدف صياغة نظام عالمي أكثر توازناً، مما يعكس رؤية مشتركة لمستقبل التنمية في الجنوب العالمي.
وبعيداً عن المدرجات، تشهد العلاقات الاقتصادية طفرة ملموسة؛ حيث تعد جنوب أفريقيا من أكبر الشركاء التجاريين لمصر في القارة السمراء، فتعمل الشركات المصرية في قطاعات الإنشاءات والطاقة بجنوب أفريقيا، بينما تساهم الشركات الجنوب أفريقية في قطاعات التعدين والصناعات الغذائية بمصر.
هذا التكامل الاقتصادي هو المحرك الحقيقي لاستقرار العلاقات، حيث يسعى البلدان لتعظيم الاستفادة من "منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية" لربط القاهرة بكيپ تاون تجارياً.
بالعودة إلى مباراة الليلة، نجد أن كرة القدم كانت دائماً وسيلة لتعزيز هذه الروابط، فالمصريون لا ينسون "بيتسو موسيماني" الذي حقق طفرة مع النادي الأهلي، والجنوب أفريقيون يقدرون الكفاءات والخبرات المصرية. ورغم أن نتيجة مباراة اليوم ستحدد متصدر المجموعة أو وصيفها، إلا أن الروح الرياضية المتوقعة تعكس نضج العلاقة بين الشعبين.
