بينما تتجه أنظار العالم صوب عام 2034، لا تكتفي المملكة العربية السعودية بالتحضير لمونديال تاريخي على أرض الملعب فحسب، بل تخوض سباقاً مع الزمن لتشييد واحدة من أكثر شبكات النقل حداثة وذكاءً في العالم.. فـ إن استضافة كأس العالم بـ 48 منتخباً فوق مساحة شاسعة، ليست مجرد تحدٍ رياضي، بل هي "اختبار قوة" للبنية التحتية، وهو الاختبار الذي قررت الرياض تحويله إلى إرث مستدام يخدم الأجيال لعقود قادمة تحت مظلة "رؤية 2030".

تبدأ تجربة المشجع من لحظة وصوله؛ حيث تضع المملكة استراتيجية طموحة تهدف لجعل 60% من سكان العالم قادرين على الوصول إلى الرياض في غضون 8 ساعات فقط. ومع توسعة مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار الملك عبد العزيز بجدة، سيكون استقبال ملايين الزوار أمراً ميسراً.

لكن المفاجأة الكبرى تكمن في "داخل المدن"؛ فمشروع مترو الرياض، الذي يعد أكبر شبكة قطارات ذاتية القيادة في العالم، سيكون المحرك الأساسي لحركة المشجعين. بـ 6 مسارات و85 محطة، سيوفر المترو وصولاً مباشراً للملاعب والفعاليات، مع خطط لإضافة خط سابع يربط قلب العاصمة بمدينة "القدية" الرياضية بحلول المونديال، بطاقة استيعابية تصل لـ 50 ألف مسافر كل ساعة.

التحدي الأكبر في جغرافيا السعودية هو المسافات، وهنا يأتي دور "الجسر البري" وشبكة السكك الحديدية الموسعة.. المونديال سيعتمد على الربط بين المدن الخمس المستضيفة (الرياض، جدة، الخبر، أبها، ونيوم) عبر قطارات فائقة السرعة وحافلات نقل ترددي ذكية.. قطار الحرمين السريع يمثل اليوم النموذج، وهناك خطط لربط الرياض بجدة وبنيوم بشبكة قطارات تجعل التنقل بين الملاعب تجربة سياحية فريدة تتجاوز مجرد الانتقال من نقطة لأخرى.

في مدينة "نيوم"، ستقدم السعودية للعالم نموذجاً غير مسبوق للنقل الصديق للبيئة.. الاعتماد على المركبات الكهربائية، والتاكسي الطائر، والحلول اللوجستية القائمة على الذكاء الاصطناعي، سيجعل من مونديال 2034 أول نسخة "صفرية الكربون" في قطاع النقل، مما يعزز ريادة المملكة في ملف الاستدامة العالمي.

أضاف المونديال لقطاع النقل السعودي "سرعة التنفيذ" و"ضخامة الاستثمارات".. فالمشاريع التي كان مخططاً لها لسنوات، تم تسريع وتيرتها لتكون جاهزة قبل 2032.. والهدف ليس فقط نقل المشجعين، بل تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث، حيث ستتحول المطارات والسكك الحديدية بعد البطولة إلى شرايين تجارية كبرى تعزز الصادرات والخدمات اللوجستية.

كأس العالم 2034 هو "المحفز الأكبر" لثورة النقل في السعودية.. المملكة لا تبني طرقاً وقطارات للمونديال، بل تبني مستقبلاً جديداً للحركة والخدمات اللوجستية.. عندما تنطلق صافرة البداية، لن يرى العالم ملاعباً مبهرة فحسب، بل سيرى وطناً يتحرك بسلاسة مذهلة، بفضل بنية تحتية صُممت لتكون "معجزة" في قلب الصحراء.