في توقيت إقليمي معقد، يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتجع مار-أ-لاغو بولاية فلوريدا، في لقاء يُنظر إليه على أنه اختبار حقيقي لقوة العلاقة الاستراتيجية بين الجانبين، وسط تباينات متصاعدة بشأن مستقبل الحرب في غزة، والملف الإيراني، وترتيبات ما بعد الصراعات في المنطقة.
ويعد هذا اللقاء هو الخامس بين الطرفين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لكنه يأتي هذه المرة محمّلًا بملفات شائكة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.
رسائل سياسية قبل الجلسة الرئيسية
وصل نتنياهو وزوجته سارة إلى فلوريدا، أمس الأحد، على متن الطائرة الحكومية الإسرائيلية «أجنحة صهيون». ومن المقرر أن يستهل نتنياهو برنامجه بلقاء مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبل الاجتماع الرئيسي مع ترامب في الساعة 3:30 مساءً بالتوقيت المحلي (10:30 مساءً بتوقيت القدس)، في إشارة إلى أن اللقاء لا يقتصر على المجاملة السياسية، بل يسبق بنقاشات تمهيدية دقيقة.
غزة في الصدارة: مرحلة ثانية تصطدم بالتحفظات الإسرائيلية
يتصدر ملف غزة جدول أعمال اللقاء، في ظل تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وتدفع الإدارة الأمريكية باتجاه تنفيذ خطة موسعة تتضمن تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية انتقالية، ونشر قوة دولية للاستقرار، ونزع سلاح حماس بشكل تدريجي، إلى جانب إطلاق عملية إعادة إعمار تحت إشراف إطار دولي يُعرف بـ«مجلس السلام».
في المقابل، يبدي نتنياهو تحفظًا واضحًا، لا سيما تجاه آليات نزع السلاح ودور أطراف إقليمية مثل تركيا وقطر، اللتين تعتبرهما إسرائيل داعمتين لحركة حماس. وتؤكد مصادر إسرائيلية أن نتنياهو سيشدد على عدم المضي قدمًا في المرحلة الثانية قبل استعادة جثمان آخر جندي إسرائيلي محتجز، وضمان نزع فعلي لسلاح حماس، مع الإبقاء على حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل القطاع.
ضغوط أمريكية وهواجس إسرائيلية
تتهم دوائر أمريكية نتنياهو بتعطيل المسار السياسي خشية انهيار وقف إطلاق النار والعودة إلى المواجهة العسكرية. في المقابل، يرى مراقبون إسرائيليون أن العلاقة الشخصية الوثيقة بين ترامب ونتنياهو قد تمنح الأخير هامش مناورة، رغم الضغوط المتزايدة من واشنطن لتحقيق اختراق سياسي ملموس.
إيران: عودة التهديد إلى واجهة النقاش
من المتوقع أن يطرح نتنياهو ملف إيران بقوة خلال اللقاء، محذرًا من استعادة طهران لقدراتها الصاروخية بعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة في يونيو 2025. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن نتنياهو سيطلب دعمًا أمريكيًا لخيارات عسكرية إضافية، قد تشمل ضربات جديدة لمنع إيران من إعادة بناء ترسانتها.
في المقابل، يكرر ترامب تأكيده أن البرنامج النووي الإيراني تعرض لـ«تدمير كامل»، لكنه قد يبدي استعدادًا لخطوات إضافية مشروطة بتعاون إسرائيلي في ملفات إقليمية أخرى.
لبنان وسوريا: جبهات هادئة ظاهريًا
إلى جانب غزة وإيران، تحضر ملفات إقليمية أخرى على طاولة النقاش، من بينها المخاوف الإسرائيلية من تصعيد محتمل مع حزب الله في ظل هدنة هشة على الجبهة اللبنانية، إضافة إلى ضغوط أمريكية على إسرائيل لتجنب التدخل في المشهد السوري الجديد بعد سقوط نظام الأسد، مقابل ترتيبات أمنية مع الحكومة السورية الجديدة.
حسابات داخلية: مكاسب سياسية للطرفين
داخليًا، يمثل اللقاء فرصة لنتنياهو لتعزيز صورته السياسية، خاصة مع تصاعد الحديث عن انتخابات إسرائيلية مبكرة. وتُعد صور التقارب مع ترامب عنصرًا مهمًا في محاولة إعادة صياغة السردية السياسية بعد تداعيات هجوم 7 أكتوبر.
أما ترامب، فيسعى إلى تسويق اللقاء ضمن مساعيه لتحقيق «صفقة كبرى» في الشرق الأوسط، تعزز موقعه السياسي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 2026.
سيناريوهات مفتوحة ومخاطر قائمة
يرجح محللون أن يفضي اللقاء إلى مقايضات سياسية، تمنح إسرائيل هامشًا أوسع في غزة مقابل تعاون في ملفات إيران أو سوريا. غير أن احتمالات الخلاف العلني تظل قائمة، في حال تمسك نتنياهو بمواقفه المتشددة.
في المحصلة، لا يُعد لقاء مار-أ-لاغو مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل اختبارًا فعليًا لمستقبل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، في لحظة إقليمية قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط لسنوات قادمة.
