خلال اجتماع مجلس الوزراء الذي عُقد اليوم برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، استعرض المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، عرضًا تفصيليًا حول تقرير شركة "ريستاد أنرجي" الدولية المتخصصة في أبحاث الطاقة، الصادر في 12 ديسمبر الجاري، تحت عنوان:
"إعادة ضبط قطاع الغاز في مصر: تسوية المديونيات، استعادة نشاط الحفر، والتوسع في الطاقات المتجددة".
وأكد وزير البترول والثروة المعدنية أن التقرير الدولي أشار إلى أن قطاع البترول والغاز في مصر يشهد عملية إعادة ضبط هيكلية شاملة، مدفوعة بتدخلات حكومية غير مسبوقة، وإصلاحات سياسية واقتصادية عملية، تربط بين تطوير الحقول التقليدية وتحقيق أهداف الانتقال الطاقي.
وأوضح التقرير أنه رغم التحديات المرتبطة بانخفاض إنتاج بعض الحقول والتراجع الطبيعي للإنتاج في الأصول القائمة، إلا أن الحكومة المصرية أصبحت أكثر فاعلية في إدارة القطاع، من خلال جهودها الواضحة في تثبيت مستويات الإنتاج، وتسريع وتيرة البحث والاستكشاف عن اكتشافات جديدة، وإطلاق أكبر عدد من جولات التراخيص عالميًا، إلى جانب إعادة النظر في هيكل تسعير الغاز الطبيعي، ومعالجة مشكلة مستحقات الشركاء الأجانب المتأخرة.
نموذج مصري ملهم للدول الإفريقية المنتجة
واعتبر تقرير "ريستاد أنرجي" أن نهج الحكومة المصرية في إدارة قطاع البترول والغاز يمثل نموذجًا متقدمًا يمكن للعديد من الدول الإفريقية المنتجة أن تستفيد منه، خاصة في ظل تصاعد حدة المنافسة العالمية على جذب الاستثمارات في قطاع الطاقة، والحاجة إلى الحفاظ على ثقة المستثمرين الدوليين.
استعادة الاستقرار والإنتاج وتسوية المتأخرات
وأشار وزير البترول إلى أن التقرير تناول التحديات التي واجهتها مصر خلال السنوات الماضية، موضحًا أن البلاد تعرضت لأزمة في إمدادات الغاز نتيجة الانخفاض الطبيعي لإنتاج الحقول القديمة، إلا أن الأوضاع بدأت في التحسن بشكل ملحوظ مؤخرًا، مع تحرك الحكومة بجدية لتسوية المتأخرات المالية لشركات النفط العالمية.
وأوضح التقرير أن ديون شركات النفط الدولية تراجعت تدريجيًا خلال عام 2025، بفضل انتظام السداد وتنفيذ خطة مالية واضحة تمتد حتى أوائل عام 2026، وهو ما يعكس التزام الدولة المصرية باستعادة ثقة المستثمرين، وتحقيق استقرار القطاع، وتخفيف الضغوط المالية عن الشركات المشغلة.
قفزة في إنتاج شركة APA وتحسن تسعير الغاز
وأضاف التقرير أن شركة APA Corporation، التي تمتلك أكبر مساحة امتيازات برية في مصر، حققت نموًا ملحوظًا في إنتاج الغاز على أساس ربع سنوي، متجاوزة بشكل كبير متوسط إنتاجها لعام 2024 البالغ 444 مليون قدم مكعب يوميًا، وذلك نتيجة سلسلة من آبار الغاز الجديدة التي فاقت التوقعات.
كما أشار التقرير إلى أن الشركة تستفيد حاليًا من تحسينات نظام تسعير الغاز في مصر، وهو ما ساهم في تعزيز الجدوى الاقتصادية لاستثماراتها وزيادة معدلات الإنتاج.
تثبيت الإنتاج المحلي
وأوضح التقرير أن الدولة المصرية نجحت خلال الربع الأخير في تثبيت إنتاج الغاز الطبيعي عند مستوى يقارب 3.5 مليار متر مكعب شهريًا، في إطار جهود واضحة لاستعادة الاستقرار وضمان استدامة الإمدادات.
إصلاح مناخ الاستثمار والتحول نحو الشراكة
وفيما يتعلق بإصلاح مناخ الاستثمار، أشار التقرير إلى أن الحكومة المصرية استجابت لمطالب الشركاء عبر دمج عدد من مناطق الامتياز لتحسين الجدوى التشغيلية، إلى جانب إدخال آلية تسعير تصاعدية للغاز، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا مقارنة بنهج "أقبل أو اترك" السائد في العديد من الدول الإفريقية.
وأكد التقرير أن مصر تنتهج مسارًا مختلفًا قائمًا على الحوار المباشر مع الشركاء، بما يعكس رؤية استراتيجية تقوم على الشراكة الحقيقية طويلة الأجل مع شركات الطاقة العالمية.
زخم غير مسبوق في أنشطة الحفر والاستثمار
واستعرض التقرير الطفرة التي شهدتها أنشطة الحفر والاستثمار نتيجة تحسين الشروط التعاقدية، حيث أعلنت شركة "دانة غاز" عن إطلاق برنامج حفر وتطوير بقيمة 100 مليون دولار، يستهدف حفر ما يصل إلى 11 بئرًا جديدة.
كما وقعت الدولة المصرية اتفاقيات جديدة مع شركة "bp" للتوسع في أعمال الاستكشاف بالبحر المتوسط، تشمل خططًا لحفر ما يصل إلى خمس آبار غاز بحرية، بالتعاون مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس).
وفي السياق ذاته، أعلنت شركة "إيني" الإيطالية عن خطط استثمارية بقيمة 9 مليارات دولار، بالإضافة إلى استحواذ شركة "قطر للطاقة" على حصة 27% في امتياز شمال كليوباترا البحري بالشراكة مع شركة "شل".
مصر في صدارة دول العالم بجولات التراخيص
وأشار التقرير إلى أن مصر أصبحت من الدول الرائدة عالميًا في نشاط التراخيص البترولية، حيث تُعد الأكثر نشاطًا خلال عامي 2025–2026 من حيث عدد الجولات المنفذة والمخططة، كما تحتل المرتبة الخامسة عالميًا من حيث طرح عدد المزايدات، بتنفيذ 10 جولات مزايدات.
الطاقة المتجددة ودعم أمن الطاقة
كما أبرز التقرير دور التوسع في الطاقة المتجددة كأداة رئيسية لتحقيق التوازن في استهلاك الغاز الطبيعي، في ظل أن إنتاج الكهرباء من الغاز يمثل الجزء الأكبر من الطلب المحلي.
وأوضح التقرير أن الخطة الطموحة لمصر تستهدف أن تمثل الطاقة المتجددة 46% من إجمالي مصادر الطاقة، وهو ما يؤدي إلى تخفيف الطلب على الغاز الطبيعي، وتقليل الاعتماد على واردات الغاز المسال، وتعزيز أمن الطاقة الوطني، إلى جانب خلق هامش تصديري مستقبلي.
تحليل الإنتاج واستراتيجية مركز تداول الغاز
وفي سياق متصل، استعرض المهندس كريم بدوي خلال الاجتماع تحليلًا لحجم إنتاج الزيت الخام والغاز الطبيعي خلال الفترة من العام المالي 2020/2021 وحتى 2029/2030.
كما تطرق إلى استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول الغاز، من خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتأمين مدخلات إضافية للشبكة القومية عبر وحدات إعادة التغييز وتجهيز الأرصفة، إلى جانب تنفيذ مشروعات الربط بحقول الغاز بدول الجوار.
واستعرض الوزير الموقف الحالي لوحدات التغييز، وإجمالي السعة المتاحة، والمستهدفات الخاصة بالإنتاج وإمدادات الغاز الطبيعي، مؤكدًا استمرار جهود البحث والاستكشاف لزيادة معدلات الإنتاج المحلي من الزيت الخام والغاز الطبيعي، والعمل على تنفيذ خطة الاكتفاء الذاتي، إلى جانب تأمين إمدادات الغاز عبر منظومة متكاملة ومتنوعة تعتمد على الإنتاج المحلي واستيراد الغاز الطبيعي المسال، بما يضمن استدامة الإمدادات ومرونتها.
