تظل كليات الزراعة في مصر مؤسسات تعليمية وبحثية ذات رسالة تتجاوز حدود القاعات الدراسية، فهي لا تكتفي بإعداد الكوادر العلمية المؤهلة، بل تسهم في دفع عجلة التنمية الزراعية عبر البحوث التطبيقية والخدمات الإرشادية التي تصل إلى قلب الريف المصري.

وفي ظل حاجة المجتمعات النامية إلى تلاحم الجامعات مع المجتمع، تصبح هذه الكليات جسورًا للتغيير قادرة على تطوير أنماط الحياة الريفية ورفع مستوى الإنتاج بما يتماشى مع متطلبات الإقتصاد الوطني، إن نجاح العملية الإرشادية الزراعية لا يتحقق إلا إذا صيغت نتائج البحوث بلغة مبسطة تناسب المزارع وتلبي احتياجاته، وهو ما يجعل التعليم الزراعي ركيزة أساسية للنهوض بالقطاع الزراعي ودعم خطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية في مصر ويحقق رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي في ربط انشاء الكليات بمتطلبات واحتياجات المجتمع وسوق العمل . 

وتبرز كلية الزراعة مشتهر التابعة لجامعة بنها كنموذج رائد في هذا المجال، إذ تعد من أقدم المؤسسات الزراعية التعليمية في مصر، بدأت بمدرسة زراعية في قرية ريفية عام (1911) وتحولت لمعهد ثم لكلية للعلوم الزراعية، وقد راكمت خبرات طويلة في خدمة الزراعة والمجتمع.

 تضم الكلية أحد عشر قسمًا وشعبًا تخصصية متعددة، وتتميز بمزرعة واسعة إضافة إلى مشاتل وصوب وحدائق بساتين ومزارع إنتاج حيواني ودواجن، فضلًا عن مركز استشارات زراعية ومعمل مركزي للتحاليل ومحطة فرعية للأصول الوراثية. هذا التنوع العلمي والعملي جعل من الكلية بيئة متكاملة للتدريب والبحث وأسهم في تخريج أجيال من المتخصصين محليًا ودوليًا.

وفي صعيد مصر، توجد كليات زراعة في بني سويف وأسيوط وسوهاج، غير أن الحاجة تظل قائمة لإنشاء كلية زراعة بجامعة الأقصر لتواكب طبيعة الجنوب الزراعية وتلبي احتياجات سوق العمل المحلي. طرحت الفكرة عام (2021) في منطقة إسنا بالمطاعنة، حيث تتوافر الأراضي الزراعية والظهير الصحراوي الغني بالإنتاج، ولكن المشروع واجه اعتراضات وخلافات حول الموقع والمساحة المطلوبة، إذ طالبت الجامعة بإمتلاك أكثر من 800 فدان لصالحها، وظل الأمر معلقًا بين الجامعة ووزارة الزراعة.

ورغم ترحيب الوزارة بالفكرة، فإنها اشترطت تقديم الطلب عبر وزارة التعليم العالي مع تحديد مساحة معقولة للتدريب العملي ووضع بروتوكول تعاون واضح يضمن الاستخدام الأمثل للأراضي والمباني والأقسام العلمية، إلا أن الجامعة لم تحسم موقفها وظل المشروع متوقفًا رغم أهميته الملحة في دعم التنمية الزراعية بالصعيد.

إن إنشاء كلية زراعة بجامعة الأقصر لم يعد خيارًا بل ضرورة استراتيجية، فهو يتناسب مع طبيعة الجنوب، ويعزز فرص العمل، ويترجم رؤية الدولة والقيادة السياسية في ربط التعليم بالاقتصاد والإنتاج. وكما أثبتت كلية مشتهر التي تأسست عام (1975) بإحدى (قرى طوخ) أن التعليم الزراعي قادر على إحداث نقلة نوعية في الزراعة المصرية من القري ، لذلك  فإن تكرار التجربة في الأقصر سيشكل إضافة قوية لمسيرة التنمية، ويمنح أبناء الصعيد عامة ومحافظة الأقصر خاصة فرصة المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل زراعي أكثر ازدهارًا، الزراعة والتعليم ليسا مجرد قطاعين متوازيين، بل هما شريكان في معركة مصيرية لدعم  الإقتصاد المصري وتحقيق التنمية المستدامة والإكتفاء الغذائي.