حكاية خوف لا يُحكى، وترقّب يشبه الوقوف على حافة الصوت، بانتظار طلقةٍ أو هدير طائرةٍ أو حتى رعدٍ بريء نتمنى لو كان هو السبب! تخيل أنك الآن في منزلك الآمن، دفء يملأ الغرفة، التلفاز أمامك ينقل لك أخبار العالم، واللابتوب مفتوح بجانبك لتحضّر عمل الغد، والهاتف في يدك تتنقل بين منصات التواصل، وعلى الطاولة حلويات رمضانية لذيذة تعبق برائحة السكر والطمأنينة. تقرر أن تغيّر القناة من نشرة الأخبار إلى مسلسل تتابعه، كأنك تمنح نفسك استراحة صغيرة من ثقل العالم وأخباره الدامية.

وفجأة… صوتٌ يشبه الرعد، ترفع رأسك، تبتسم للحظة وتقول في سرك "ربما تبدّل الطقس"، تركض إلى أقرب نافذة، تفتحها قليلاً تبحث في السماء عن غيمة، وأختك تفتح تطبيق الطقس وتقول بثقة: "لا، الجو ربيعي".
لكن الصوت يعود أقرب، لا ليس رعداً!  هذه المرة هو رصاص.

يتجمد شيء في صدرك، تبحث عن جهاز التحكم لتعود إلى قناة إخبارية محلية، لكن الريموت لا يستجيب إلا بالضرب الخفيف المرتبك، وكأن أصابعك فقدت قدرتها على الضغط الطبيعي. الصورة تتبدل وتفهم...إسرائيل تقصف! تسأل هل هددوا منطقتي؟ تتذكر أنهم استبدلوا أفيخاي بفتاة لم تحفظ اسمها ونسيت أن تبحث عنها على منصة إكس، لأن لا داعي لذلك، فالحرب توقفت!  تُرى هل عادت؟

في لحظة خاطفة، يمرّ شريط طويل في رأسك، قبل أشهر فقط تركت هذا البيت هرباً، وعدت إليه بشق الأنفس، تقول لنفسك بعنادٍ خائف "هذه المرة لن أهرب" ما دام الكوكب كله مشتعلاً، أين سأذهب؟  يالله... الروح لا تذهب إلا في وقتها.

لكن الأصوات تتعالى، سيارات تزمّر في الشوارع، جيران يركضون، أبواب تُغلق بعجلة. مشاهد الحرب الماضية تتسلل إلى عينيك دون إذن. الخوف ليس فكرة، إنه ذاكرة.

تنهض بسرعة تفتح الخزانة. تلتقط أوراقك الرسمية، بعض المال، تغيّر ملابسك بسرعة. تخرج إلى الشارع فتجده مزدحماً بوجوه شاحبة لا تعرف وجهتها. تسير بسيارتك دون أن تعرف إلى أين. حتى لو كان لديك مكان آخر، لا يبدو أي مكان آمناً. تتوقف على الطريق العام، تنتظر، تتسحّر على عجل وكأنك تسرق لقمة من بين فكي الخطر.

ثم فجأة… يتسلل إليك صوت داخلي... "لا أريد أن أترك بيتي"

تعود... تدخل المنزل كمن يعود إلى حضنٍ يعرف أنه قد يفقده، عندها تتذكرها... الحقيبة
حقيبة الطوارئ التي وضعتها على "التتخيتة" بعد آخر حرب، يومها فرغتها من الملابس والأغراض الأساسية بعدما قيل إن الحرب توقفت، وإن الأمور انتهت.


تسحب "السيبة"، تصعد، تنزل الحقيبة، تفتحها تجدها فارغة.


كأنها تقول لك: "كنت أعلم أنك ستعود إليّ"
تبدأ بتعبئتها من جديد، هذه المرة بملابس شتوية، بعض الملابس الداخلية، بعض الأدوية، وكل غرض تضعه هو اعتراف ضمني بإمكانية الرحيل.
ثم تدخل لتستحم، ليس لأنك متّسخ، بل لأنك تريد أن تخرج من بيتك نظيفاً، خفيفاً، كأنك تودّعه بأفضل صورة. ترتدي ملابس مريحة، تجلس أمام التلفاز لا تتابع شيئاً حقاً، فقط تنتظر!

الحقيبة تقف عند الباب، سابقةً لك بخطوة، جاهزة أكثر منك.

كأنها فرد آخر في العائلة، صامت، صبور، يعرف أن مهمته تبدأ عند أول طلقة أو خبر عاجل. وجودها وحده يكفي ليذكّرك أن حياتك صارت معلّقة بصوت.

كيف يمكن لإنسان أن يعيش هكذا؟


بين بيتٍ يحبه، وحقيبةٍ تذكّره أنه قد يتركه في أي لحظة؟
من أعطى هذه الدول الحق أن تعبث بطمأنينة الناس؟ أن تجعل البيت احتمالًا لا يقيناً؟

النفوذ، السلطة، المال… كلها كلمات كبيرة، لكن الخوف دائماً شخصي.
يبدأ في قلب واحد، في بيت واحد، في حقيبة صغيرة موضوعة عند الباب.

وفي النهاية، كل الأراضي التي يتصارعون عليها ستبقى في مكانها.
أما نحن، فنظل نحمل بيوتنا في حقائب، وننتظر صوتاً قد يأتي أو قد لا يأتي.