تعيش جمهورية مالي واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخها المعاصر، بعدما شهدت الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة توسعاً ميدانياً متسارعاً في مناطق الوسط والشمال، ونجاحاً في فرض طوق شبه كامل حول العاصمة باماكو عبر السيطرة على طرق الإمداد ومحاور الحركة التجارية والعسكرية، ويأتي هذا الوضع في ظل هشاشة سياسية وأمنية ممتدة منذ أكثر من عقد، نتيجة الانقلابات المتتالية وتراجع فعالية المؤسسات، وتقلص الدعم الدولي، وضعف قدرة الدولة على بسط نفوذها خارج المراكز الحضرية.

تمدد "نصرة الإسلام والمسلمين" وسياسة الخنق الاقتصادي

شهد العام الجاري تحولاً نوعياً في نشاط جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، الذراع الأهم لتنظيم القاعدة في الساحل والصحراء، حيث انتقلت من استهداف الأطراف إلى الضغط المباشر على مركز الدولة، لم تعد العمليات قائمة على الكمائن الدفاعية، بل على هجمات مركزة تستهدف قوافل الجيش وطرق الإمداد والمواد الأساسية المتجهة إلى العاصمة، ومع السيطرة على محاور حيوية تربط باماكو بكل من غينيا وكوت ديفوار، أصبح الحصار الاقتصادي أداة ضغط متعمدة، أدت إلى اضطراب إمدادات الوقود والغذاء داخل العاصمة بصورة تهدد الاستقرار اليومي للمؤسسات والسكان.

صراع نفوذ بين القاعدة وداعش

يتطور المشهد الأمني في مالي تحت تنافس واضح بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش في الصحراء الكبرى، خصوصاً في مناطق ميناكا وشرق غاو، وبينما يعتمد تنظيم داعش على أسلوب المواجهة المباشرة، يركز تنظيم القاعدة على بناء روابط محلية مع مجموعات اجتماعية مختلفة، مستنداً إلى تقديم شكل محدود من الخدمات التقليدية في المناطق التي انسحبت منها الدولة، وهو ما سمح له بإقامة منظومة نفوذ غير رسمية، لكنها مؤثرة وفاعلة في المشهد المحلي.

هشاشة داخلية واحتمال اضطرابات سياسية

ترافق الضغوط الميدانية مع حالة توتر سياسي داخل العاصمة، حيث يواجه المجلس العسكري الحاكم تحديات متزايدة في إدارة الأزمة، إلى جانب عزلة دبلوماسية دولية بعد انسحاب القوات الأجنبية وتراجع الدعم الأممي، وتداولت أوساط سياسية داخلية احتمال تصاعد توترات داخل المؤسسة العسكرية ذاتها إذا استمرت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في التفاقم، ما يعيد الحديث حول إمكانية وقوع تحركات سياسية جديدة تعمّق مسار عدم الاستقرار.

الدور المصري: رؤية أمنية واستراتيجية راسخة

تأتي هذه اللحظة في ظل معطيات إقليمية تعزز من أهمية الدور المصري في محيطه الأفريقي، فمصر، باعتبارها قوة إقليمية كبرى ذات حضور راسخ داخل القارة، تمتلك تجربة متكاملة وناجحة في مواجهة الإرهاب وترسيخ بنية الدولة الوطنية، وقد تمكنت القاهرة خلال السنوات الماضية من خوض معركة شاملة ضد التنظيمات المتطرفة، اعتمدت على مزيج من المواجهة الأمنية الصارمة، وإعادة بناء مؤسسات الحكم، وتطوير قدرات القوات المسلحة، إلى جانب إطلاق مشروعات تنموية واسعة في المناطق التي كانت عرضة للاختراق، وهو ما أسهم بصورة مباشرة في دحر جذور الإرهاب والإعلان الرسمي عن القضاء عليه في الداخل المصري، ويقوم هذا النهج على استعادة الدولة لمساحات النفوذ وبناء علاقة ثقة مع المجتمع، بما يغلق الفراغات التي تسعى التنظيمات لاستغلالها، وتبرز أهمية هذه التجربة بالنسبة لمالي في إمكانية الاستفادة من الخبرة المصرية في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتنظيم مسارات التنمية في المناطق المهمشة، بما يمكن الدولة المالية من استعادة سيادتها وتعزيز حضورها، ويفتح الطريق نحو استقرار إقليمي أوسع في منطقة الساحل والصحراء.

مستقبل مالي بين الاستعادة والانهيار

إن الأزمة الحالية في مالي ليست مجرد أزمة أمن أو نزاع مسلح، بل هي اختبار مباشر لوجود الدولة وقدرتها على الاستمرار، اقتراب الجماعات المتشددة من العاصمة باماكو يمثل مؤشراً خطيراً على احتمالية انتقال الصراع من الأطراف إلى قلب الدولة، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود مالي نحو دول الجوار الإقليمي، مستقبل البلاد سيتحدد وفق قدرة مؤسساتها على استعادة تماسكها، ومدى نجاح التحرك الإقليمي والدولي في دعم هذا المسار.

ختامًا.. تقف مالي اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما تعزيز سلطة الدولة وإعادة بناء أدوات إدارتها السياسية والأمنية، وإما الدخول في مرحلة تصعيد مفتوح يدفع البلاد إلى مزيد من التفكك وفقدان السيطرة، وتتوقف ملامح المرحلة المقبلة على قدرة الداخل المالي على التماسك، وعلى قدرة الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر، على تقديم الدعم السياسي والاستراتيجي الذي يعيد التوازن إلى معادلة الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.