بين جدرانه الإسمنتية التي تعانق سماء "أنفا" بالدار البيضاء، لا تُحبس الأنفاس فقط من أجل كرة القدم، بل تُصاغ في مدرجاته رسائل تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، مركب محمد الخامس، أو "دونور" كما يحلو للبيضاويين تسميته، ليس مجرد ملعب رياضي، بل هو "ترمومتر" يقيس نبض الشارع المغربي ومرآة تعكس علاقة الرياضة بالسياسة في المملكة.
تأسس الملعب عام 1955، قبيل استقلال المغرب بأشهر قليلة، وكان يحمل اسم الملاكم الفرنسي الشهير "مارسيل سيردان".. ومع فجر الاستقلال، تغير اسمه ليحمل اسم بطل التحرير الملك محمد الخامس، هذا التحول في الاسم لم يكن شكلياً، بل كان إعلاناً عن استعادة السيادة الوطنية على أكبر فضاء للتجمع الجماهيري في البلاد.
لطالما اعتبرت السلطات المغربية "المكانة" (المنطقة الجنوبية من الملعب حيث يتجمع جمهور الرجاء) و"فريميجة" (المنطقة الشمالية حيث معقل جمهور الوداد) بمثابة ساحات عامة للتعبير، في فترات الحراك السياسي، كانت مدرجات "دونور" هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه لآلاف الحناجر أن تصدح بشعارات ذات صبغة اجتماعية وسياسية دون تنسيق حزبي مسبق.
في العقدين الأخيرين، تحولت "تيفوهات" (اللوحات الفنية) جماهير الوداد والرجاء إلى رسائل سياسية بليغة، فمن خلال عبارات مثل "في بلادي ظلموني"، التي تحولت من أغنية مدرجات إلى نشيد احتجاجي عابر للحدود، أثبت مركب محمد الخامس أنه منصة لنقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.. تتعامل الدولة مع هذا الفضاء بحذر شديد؛ فهو من جهة أداة "للقوة الناعمة" المغربية في المحافل الإفريقية والدولية، ومن جهة أخرى يمثل تحدياً أمنياً وسياسياً نظراً لصعوبة السيطرة على توجهات الجماهير التي غالباً ما ترفض الوصاية السياسية التقليدية.
لم ينفصل الملعب يوماً عن طموحات المغرب الخارجية، فمن خلال استضافة القمم الكروية الإفريقية والألعاب المتوسطية (1983)، كان "دونور" هو الواجهة التي قدم من خلالها المغرب نفسه كقوة إقليمية صاعدة، واليوم، وبينما يخضع الملعب لعمليات تحديث شاملة استعداداً لنهائيات كأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم 2030، يبرز كأحد أعمدة "الدبلوماسية الرياضية" التي ينهجها المغرب لتعزيز موقعه الدولي.
