في تاريخ كرة القدم، نادراً ما تجد شخصية تثير الجدل والرهبة بقدر ما أثاره "سير هنري نوريس".. الرجل الذي لم يكتفِ بكونه رئيساً لنادي آرسنال، بل كان مهندساً سياسياً بارعاً، وعمدة لحي فولهام، وعضواً في البرلمان البريطاني، مما جعل من "المدفعجية" نادياً وُلد من رحم التحالفات السياسية والمناورات الإدارية.
بدأت القصة في عام 1910، حين كان نادي "وولويتش آرسنال" يعاني من أزمة مالية خانقة في جنوب لندن، تدخل نوريس، وبدلاً من مجرد الإنقاذ، كانت لديه رؤية سياسية وجغرافية مغايرة، أدرك نوريس أن البقاء في الجنوب يعني الموت البطيء، فقرر في عام 1913 نقل النادي إلى شمال لندن، وتحديداً إلى منطقة "هايبري".. لم يكن هذا الانتقال رياضياً فحسب، بل كان معركة سياسية شرسة ضد ناديي "توتنهام" و"أورينت"، اللذين اعتبرا الخطوة غزواً لمناطق نفوذهما.
استخدم نوريس علاقاته السياسية القوية ونفوذه في أروقة القرار لانتزاع الموافقة، مما وضع حجر الأساس لأكبر عداوة كروية في لندن (ديربي شمال لندن).
تظل واقعة عام 1919 هي العلامة الفارقة والأكثر إثارة للجدل في تاريخ نوريس، بعد الحرب العالمية الأولى، تقرر زيادة عدد فرق الدرجة الأولى، وكان آرسنال قد أنهى الموسم الأخير (قبل الحرب) في المركز الخامس بالدرجة الثانية.. منطقياً، كان يجب أن يصعد أصحاب المراكز الأولى أو يبقى "توتنهام" (الهابط) في مكانه، هنا تجلت "البراعة السياسية" لنوريس؛ إذ استغل علاقاته الوثيقة مع رئيس رابطة الدوري "جون ماكينا".. بفضل خطاب مؤثر وضغوط سياسية خلف الكواليس، نجح نوريس في إقناع الأندية بالتصويت لصالح آرسنال للصعود بدلاً من توتنهام، بحجة "خدمات النادي الطويلة لكرة القدم".. هذه الحادثة لا تزال تُذكر حتى اليوم كدليل على كيف يمكن للنفوذ السياسي أن يغير خارطة الرياضة.
لم يكن نوريس شخصية محبوبة دائماً؛ فقد كان يُلقب بـ "الديكتاتور".. بصفته عمدة لفولهام وعضواً في البرلمان عن حزب المحافظين، كان يرى النادي كأداة لتعزيز هيبته الشخصية والسياسية؛ لكن هذه السلطة المطلقة كانت هي نفسها سبب سقوطه؛ ففي عام 1929، كشفت تحقيقات صحفية عن تجاوزات مالية تتعلق ببيع حافلة النادي واستخدام الأموال لأغراض شخصية، مما أدى إلى إيقافه مدى الحياة عن ممارسة أي نشاط كروي.
