نجحت وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة في أن تكتب سطوراً جديدة في سجل الإصلاح المؤسسي، حين أطلقت ثورة حقيقية في منظومة الشهر العقاري والتوثيق، فأزالت عن كاهل المواطن أثقال الإجراءات المعقدة، وحوّلتها إلى خدمات مبسطة متاحة في كل مكان، لتصبح العدالة أقرب إلى الناس وأكثر التصاقاً بحياتهم اليومية.

هذه النقلة النوعية لم تكن مجرد تحديث إداري أو تطوير شكلي، بل كانت إعلاناً عن إرادة سياسية وإدارية صلبة لإنهاء ملفات طالما أرهقت وزراء العدل السابقين وأثارت جدلاً واسعاً، سواء في خدمات التوثيق أو في مستحقات العاملين المحالين إلى المعاش، ذلك الملف الذي ظل سنوات طويلة عالقاً حتى تم حسمه برؤية شاملة تعكس وعياً بضرورة مواجهة التحديات المؤجلة وعدم تركها عبئاً على الأجيال المتعاقبة.


ومع مطلع عام 2026، تضع الوزارة نصب أعينها أولوية قصوى تتمثل في إنهاء الملفات المؤجلة التي باتت عنواناً للمرحلة المقبلة، وفي مقدمتها ملف تسجيل الملكية العقارية بكافة أنواعه، سواء التسجيل الشخصي أو العيني أو في المجتمعات العمرانية الجديدة، وهو الملف الذي يمثل حجر الزاوية في استقرار السوق العقاري وضمان الحقوق وزيادة الإستثمار  ودعم الإقتصاد الوطني، إذ إن إستكماله سيعزز الثقة بين المواطن والدولة ويفتح آفاقاً أوسع للتنمية المستدامة.


 كما أن مسابقة القيادات التي أجريت في فبراير 2024 لم تكن مجرد اختبار وظيفي بل محطة فارقة لاختيار نخبة من الكفاءات القادرة على قيادة المرحلة الجديدة، وهو ما يفرض ضرورة إستثمار هذه الطاقات في مواقعها القيادية لتكون قاطرة الإصلاح الإداري والقانوني، من خلال ضخ دماء جديدة والاستعانة بالكوادر المتميزة الفاعلة التي تضيف وتبدع وتمنح المنظومة روحاً متجددة.  

ومن بين الملفات التي تنتظر الحسم أيضاً استكمال نقل باحثي التنمية الإدارية ووظائف التمويل والمحاسبة إلى وظائف القانون، من الحاصلين على درجات الدكتوراه والماجستير في القانون، الذين ارتبطت أعمالهم منذ تعيينهم بهذا القطاع ارتباطاً عضوياً، وليسوا ممن استكملوا مؤهلاتهم ونقلوا من جهات حكومية أخرى ولم يمض على عملهم في هذا القطاع أكثر من أربع سنوات، وهي خطوة تعكس رؤية لإعادة هيكلة الموارد البشرية بما يخدم طبيعة العمل القانوني ويضمن تكامل التخصصات ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وتنفيذ صحيح القانون والفتوى الملزمة للجمعية العمومية للفتوى والتشريع بمجلس الدولة التي إنتهت إلى نقل الجميع دون انتقاء أو تحيز.


 كما يأتي ملف المطالبة بصرف بدل الفترة المسائية الثانية وتعميمها في كافة المكاتب أسوة بديوان عام المصلحة، وكذلك صرف بدل المصيف أسوة بقطاعات وزارة العدل والهيئات القضائية المناظرة باعتبار ذلك  عنواناً للمساواة الوظيفية والإنصاف بين العاملين، ورسالة تقدير للجهود المبذولة في خدمة العدالة والمواطنين ..

كما أن التوسع في إنشاء واستحداث مقرات جديدة يعكس إدراك الوزارة لحجم الطلب المتزايد على خدماتها ويؤكد أن العدالة يجب أن تصل إلى كل مكان دون عناء أو مشقة، وأن زيادة الفروع والشبابيك يؤكد نجاح القطاع وتنفيذه لتوجيهات القيادة السياسية، بدلا من الغلق كما يقترح البعض في إغلاق فروع البريد. 

فيما يظل توفير مظلة حماية أكثر عدالة للعاملين، خاصة مدخلي البيانات الذين يمثلون العمود الفقري للمنظومة، مطلباً أساسياً لضمان استقرار الأداء المؤسسي وسد العجز الشديد في الوظائف عبر الإستعانة بهم بشكل منظم ومدروس واضفاء المشروعية القانونية في إنجاز المعاملات أمام المواطنين .  

إن عام 2026 ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل هو بداية مرحلة جديدة في مسيرة وزارة العدل، حيث تتحول الملفات المؤجلة إلى قصص نجاح، وتصبح العدالة أكثر قرباً من المواطن وأكثر إنصافاً للعاملين، إنها رحلة عنوانها الثقة والشفافية والإنجاز، رحلة تكتبها الوزارة بحروف من إرادة وإصرار، لتؤكد أن العدالة ليست نصوصاً جامدة، بل منظومة حية تبدأ من الموظف وتنتهي عند المواطن، وتظل شاهداً على أن الإصلاح الحقيقي هو الذي يواجه التحديات المؤجلة ويحوّلها إلى منجزات حاضرة، لتبقى العدالة دائماً شعلة مضيئة في مسار الدولة نحو المستقبل، ورمزاً لإرادة لا تنكسر، وإصرار لا يلين، وعنواناً لمستقبل يليق بوطن يستحق أن تُكتب قصته بأحرف من نور.