باحث سويسري يؤكد أن المنتجات الزراعية والأمن الغذائي أصبحا أدوات ضغط ونفوذ في الصراعات الجيوسياسية بين الدول، مستشهدًا بأزمات القمح والحبوب وفول الصويا عالميًا.

المنتجات الزراعية في قلب الصراعات الجيوسياسية

و أكد الباحث السويسري هنري روف أن المنتجات الزراعية لم تعد مجرد سلع اقتصادية، بل تحولت إلى أدوات نفوذ قوية في صراعات القوة بين الدول، خاصة في ظل التوزيع غير المتكافئ للأراضي الصالحة للزراعة والمراعي على مستوى العالم.

جاء ذلك خلال مشاركته في برنامج «جيوبوليتيس» الذي يُذاع على التلفزيون السويسري، حيث تناول الأبعاد الجيوسياسية للغذاء والزراعة في العلاقات الدولية.

أزمة القمح والحرب الروسية الأوكرانية

ونقلت شبكة راديو وتلفزيون سويسرا عن هنري روف، الباحث المشارك في مركز التنمية والبيئة بجامعة برن، قوله إن الهجوم الروسي على أوكرانيا كان له صدى واسع في أوروبا، بعدما تسبب في أزمة حادة بسوق القمح العالمي.

وأوضح أن روسيا فرضت حصارًا على صادرات الحبوب الأوكرانية، مستغلة هذا النفوذ للضغط على أوكرانيا، مع إدراكها أن المتلقي غير المباشر لهذا الضغط هو الاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الحبوب.

المساعدات الغذائية كسلاح سياسي

وأشار الباحث إلى أن الولايات المتحدة استخدمت بدورها المساعدات الغذائية كأداة نفوذ سياسي، مستشهدًا ببرنامجي:الغذاء من أجل السلام الغذاء من أجل النفط

وأوضح أن هذه البرامج استُخدمت في البداية للاستحواذ على الموارد، ثم فرض السيطرة عليها، وأخيرًا الإبقاء على النفوذ على فئات سكانية ودول بعينها.

فول الصويا نموذجًا للصراع التجاري

وتطرق هنري روف إلى مثال حديث يوضح كيف يمكن للقطاع الزراعي أن يتحول إلى وسيلة ضغط، مشيرًا إلى ما حدث العام الماضي عندما أوقفت الصين طلباتها من فول الصويا الأمريكي في ظل التوتر مع واشنطن.

وأوضح أن الصين — باعتبارها أكبر مستورد لفول الصويا الأمريكي — استأنفت مشترياتها بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر 2025، ما يعكس توظيف التجارة الزراعية في إدارة الخلافات السياسية.

الأمن الغذائي بين النفوذ والاستثمار

وقال الباحث السويسري:«يُعد الأمن الغذائي سلاحًا تستخدمه بعض الدول في صراعات القوة، لكنه يصب أيضًا في مصلحة المستثمرين».

وأوضح أن المستثمرين يحققون أرباحًا حقيقية من خلال الاستحواذ على الأراضي الزراعية وإنتاجها، مشيرًا إلى أن عمليات الاستحواذ على الأراضي الزراعية — سواء من قبل مجموعات صناعية كبرى أو رجال أعمال أثرياء أو صناديق عامة — شهدت ارتفاعًا حادًا خلال السنوات الماضية قبل أن تستقر.

الاستحواذ على الأراضي والزراعة العالمية

ووفقًا لتقرير صادر عام 2021 عن مبادرة «لاند ماتريكس»، فإن عمليات الاستحواذ على الأراضي الزراعية الكبرى ترتبط في المقام الأول بـ التجارة الدولية للمواد الخام، وعلى رأسها زيت النخيل.

وأوضح هنري روف أن هذه المعاملات لا تتم بالضرورة دائمًا على حساب السكان المحليين، قائلًا إن: بعض الحالات تمثل نموذجًا استعماريًا عندما يتم الاستحواذ دون تراضٍ فى المقابل، توجد عقود قانونية مثل عقود الإيجار، تعكس وجود اتفاق بين طرفين وأضاف أن النقد ما بعد الاستعماري يسلط الضوء على اختلالات القوة، لكنه لا ينطبق على جميع الحالات بنفس الدرجة.

ويؤكد هذا الطرح أن الزراعة والأمن الغذائي أصبحا عنصرين أساسيين في معادلات النفوذ الجيوسياسي العالمي، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية، ما يجعل الغذاء أحد أبرز أدوات القوة في العلاقات الدولية المعاصرة.