محلل في الشأن الإيراني يشرح دوافع طهران وحدود التفاوض وسيناريوهات التصعيد العسكري

تأتي مفاوضات مسقط بين إيران وأمريكا في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية، وعودة الحديث عن توجيه ضربة محتملة ضد طهران، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية لإعادة فتح مسار التفاوض حول الملف النووي الإيراني.

وتثير مفاوضات مسقط بين إيران وأمريكا تساؤلات حول ما إذا كانت طهران تسعى فقط إلى كسب الوقت وتفادي مواجهة عسكرية مباشرة، أم أنها تتجه نحو تقديم تنازلات مؤلمة لإنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ سنوات.

وفي ظل سياسة العصا والجزرة التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تبدو مفاوضات مسقط بين إيران وأمريكا اختبارًا حقيقيًا لإمكانية الوصول إلى اتفاق مستدام، أو الانزلاق نحو تصعيد قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.

الملف النووي الإيراني: سلاح ردع وورقة تفاوض

قال أستاذ أسامة حمدي، المحلل في الشأن الإيراني، إن مفاوضات مسقط لا يمكن فصلها عن إدراك طهران أن الملف النووي يمثل سلاح ردع استراتيجي وورقة تفاوض في آن واحد، مشيرًا إلى أن إيران ترى في برنامجها النووي أداة لمعادلة التفوق النووي الإسرائيلي، والوجود العسكري الأميركي الكثيف في المنطقة، خاصة في ظل ما تعتبره عداءً مستمرًا للنظام الإسلامي الحاكم.

سوابق التنازلات الإيرانية في التفاوض مع الغرب

وأضاف أسامة لـ"خمسة سياسة" أن البرنامج النووي الإيراني لا يقتصر فقط على كونه وسيلة ردع، بل يُستخدم كذلك كورقة تفاوضية مع الغرب، حيث سبق لطهران أن قدمت تنازلات تكتيكية في هذا الملف، مستشهدًا بقيام إيران بتجميد تخصيب اليورانيوم عام 2003 لمدة عام ونصف لطمأنة الدول الأوروبية بشأن سلمية برنامجها النووي، وكذلك نقل مخزونات من اليورانيوم المخصب إلى تركيا عام 2010 بوساطة تركية–برازيلية.

سياسة ترامب ورفع سقف المطالب

وأوضح المحلل في الشأن الإيراني أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجأ مؤخرًا إلى سياسة رفع سقف المطالب، من خلال الحشد العسكري والتهديد بتوجيه ضربة لإيران، والمطالبة بإنهاء البرنامج النووي والصاروخي، ووقف دعم طهران لوكلائها في المنطقة، والإفراج عن متظاهرين، بل ووصل الأمر في البداية إلى المطالبة بتغيير النظام الإيراني، مؤكدًا أن هذه السياسة تهدف في الأساس إلى تحسين شروط التفاوض لاحقًا.

خطوط حمراء إيرانية: الصواريخ والوكلاء خارج التفاوض

وأشار إلى أن إيران رفضت التفاوض إلا على الملف النووي فقط، واعتبرت برنامجي الصواريخ الباليستية ودعم الحلفاء الإقليميين خطوطًا حمراء غير قابلة للنقاش، لافتًا إلى أن المفاوض الإيراني استطاع فرض هذا الإطار على واشنطن، خاصة في ظل ضغوط إقليمية من دول مثل مصر وقطر والإمارات والسعودية وتركيا وباكستان، التي تخشى أن تدفع ثمن أي مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة.

بقاء النظام أولوية مطلقة لطهران

وأكد المحلل في الشأن الإيراني أن الأولوية القصوى لطهران هي بقاء النظام، موضحًا أن هذا البقاء لا يرتبط فقط بالسلطة السياسية، وإنما بعقيدة دينية راسخة لدى الشيعة الاثني عشر، تقوم على فكرة ولاية الفقيه بوصفها نيابة عن الإمام الغائب، معتبرًا أن سقوط النظام الإسلامي في إيران يعني انهيار الإطار الديني والسياسي الذي يحكم المجتمع منذ الثورة الإسلامية.

خفض التخصيب دون المساس بالبنية النووية

وأضاف أسامة لـ"خمسة سياسة"، أن القيادة الإيرانية رأت في الجلوس إلى طاولة المفاوضات وسيلة لتفادي ضربة عسكرية قد تهدد بقاء النظام، وفي الوقت نفسه استنزاف الولايات المتحدة في مفاوضات طويلة، مع الاستعداد لتقديم تنازلات محدودة في الملف النووي، مثل خفض مستوى التخصيب، دون المساس بالبنية النووية الأساسية.

نسب التخصيب والاقتراب من العتبة النووية

وأوضح أن إيران أعلنت رسميًا وصول نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، في حين تحدثت تقارير استخباراتية عن وصولها إلى 83%، مشيرًا إلى أن مستوى التخصيب المطلوب لصناعة سلاح نووي يبلغ 90%، وأن إيران تمتلك حاليًا مخزونًا كبيرًا من اليورانيوم المخصب يجعلها قادرة على تصنيع قنبلة نووية خلال فترة زمنية قصيرة، حال اتخاذ القرار السياسي بذلك.

وأضاف أن طهران لا تمانع خفض مستوى التخصيب إلى 20% أو حتى 5% لأغراض سلمية، لأنها تعتبر نفسها قد تجاوزت بالفعل العتبة النووية، وهو ما يسمح لها بالمناورة التفاوضية دون فقدان قدرتها الردعية، مؤكدًا أن هذا المسار قد يجنّبها ضربة عسكرية على المدى القصير، مع الإبقاء على عناصر القوة الاستراتيجية.

إيران وترامب: تفاوض بلا ثقة

وبشأن العلاقة مع ترامب، شدد حمدي على أن إيران لا تثق في استدامة أي اتفاق مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي أكد فيها دخول بلاده المفاوضات بحسن نية، ولكن مع قدر كبير من الحذر وانعدام الثقة تجاه الطرف الأميركي.

الدبلوماسية القسرية والاستعداد العسكري

وأوضح أن إيران تفاوض وهي في حالة استعداد عسكري قصوى، حيث لا تزال القوات المسلحة والحرس الثوري في حالة تأهب، بالتوازي مع استمرار عمليات التسليح القادمة من روسيا والصين، معتبرًا أن واشنطن تمارس ما يُعرف بالدبلوماسية القسرية أو سياسة «العصا والجزرة» لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

سيناريو فشل المفاوضات: من ضربة محدودة إلى حرب مفتوحة

وفي حال فشل المفاوضات، قال حمدي إن الرئيس الأميركي قد يلجأ إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران، سواء لإرضاء اليمين المتطرف في إسرائيل أو لحفظ ماء الوجه للولايات المتحدة كقوة عظمى، لكنه حذر من أن إيران هذه المرة لن تمتص الضربة كما في السابق.

وأضاف أن الرد الإيراني المحتمل قد يشمل استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، أو إغلاق مضيق هرمز، أو تلغيم مياه الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى انزلاق الأوضاع نحو مواجهة عسكرية واسعة يصعب احتواؤها.

ترامب عامل اضطراب في السياسة الدولية

واختتم المحلل في الشأن الإيراني تصريحاته بالتأكيد على أن وجود شخصية مثل دونالد ترامب على رأس الإدارة الأميركية يمثل عامل اضطراب رئيسيًا في السياسة الدولية، نظرًا لاندفاعه وعدم إمكانية التنبؤ بقراراته، فضلًا عن تأثره المتزايد باليمين المتطرف في إسرائيل.