أسفرت الضربات المنسقة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما أعقبها من رد إيراني، عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وسط إدانات دولية متصاعدة. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الطرفين إلى الالتزام بالقانون الدولي وضبط النفس.
وبينما يتمسك كل طرف بروايته القانونية والسياسية، يطرح خبراء القانون الدولي سؤالاً محورياً: هل استوفت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية الشروط القانونية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، أم أنها تمثل انتهاكاً صريحاً لحظر استخدام القوة؟
الإطار القانوني: ماذا يقول ميثاق الأمم المتحدة؟
يشكل ميثاق الأمم المتحدة المرجعية الأساسية لتنظيم استخدام القوة بين الدول. وتنص المادة 2(4) على حظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
في المقابل، تتيح المادة 51 حق الدفاع عن النفس في حال وقوع "هجوم مسلح"، وتفسر بعض الدول هذا الحق ليشمل الهجمات الوشيكة.
وعليه، يتمحور الجدل القانوني حول ما إذا كانت إيران قد شكلت تهديداً وشيكاً يبرر اللجوء إلى القوة العسكرية.
مبررات واشنطن وتل أبيب: تهديد نووي وشيك؟
بعد بدء القصف في 28 فبراير ، اتهم الرئيس الأمريكي Donald Trump إيران بالسعي لامتلاك أسلحة نووية تهدد حلفاء الولايات المتحدة، وقد تمتد – بحسب قوله – إلى الأراضي الأمريكية.
وفي الثاني من مارس ، صرّح وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio بأن واشنطن تحركت "استباقياً" على خلفية معلومات عن "عمل إسرائيلي مرتقب" ضد إيران.
من جانبه، قال الرئيس الإسرائيلي Isaac Herzog في مقابلة مع برنامج "توداي" على إذاعة BBC 4، إن خطط إيران المزعومة لتطوير قنبلة نووية كافية لتبرير الهجمات.
غير أن Rafael Grossi، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أوضح في مؤتمر صحفي أن إيران تمتلك "برنامجاً نووياً كبيراً وطموحاً للغاية"، لكن الوكالة لم ترصد أدلة على وجود "برنامج منظم لتصنيع أسلحة نووية".
كما خلص تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA) في مايو 2025 إلى أن إيران لا تزال على بُعد سنوات من تطوير صواريخ بعيدة المدى.
ويرى خبراء أن تصريح ترامب السابق بأن البرنامج النووي الإيراني "دُمّر" خلال حرب استمرت 12 يوماً العام الماضي يتعارض مع فرضية وجود تهديد وشيك حالياً.
رأي الخبراء: هل كانت إيرانتشكل تهديداً وشيكاً ؟
تؤكد سوزان بريو، خبيرة القانون الدولي في معهد الدراسات القانونية المتقدمة بالمملكة المتحدة، أن الدفاع المشروع عن النفس يتطلب "أدلة قاطعة على هجوم وشيك"، مشيرة إلى أنها لم تطلع على دليل من هذا النوع.
ويتفق معها السير جيفري نايس، المدعي السابق في محاكمة الرئيس اليوغسلافي الأسبق Slobodan Milošević، قائلاً: "لم يُقدَّم أي دليل، وهناك احتمال كبير أن يكون بدء الحرب غير قانوني".
أما الأكاديمي في القانون الدولي بجامعة كامبريدج، مارك ويلر، فيوضح أن مفهوم "الوشيك" يعني تقليدياً "اللحظة الأخيرة الممكنة لوقف هجوم سيقع حتماً"، لا مجرد احتمال مستقبلي بعيد.
وتشير بريو إلى أن الدفاع المشروع عن النفس يشترط أيضاً "الضرورة" و"التناسب"، أي ألا يكون هناك بديل آخر غير القوة، وأن تكون الضربة متناسبة مع حجم التهديد.
سابقة 1967: مثال مثير للجدل
يستشهد بعض الباحثين بالضربة الإسرائيلية الاستباقية ضد مصر عام 1967 خلال حرب الأيام الستة باعتبارها نموذجاً تاريخياً للدفاع الاستباقي.
لكن حتى في تلك الحالة، ظل الجدل قائماً حول ما إذا كان التهديد المصري وشيكاً بالمعنى القانوني الدقيق.
الخسائر البشرية: أرقام متصاعدة
وفقاً للسلطات الإيرانية وجمعية الهلال الأحمر الإيراني، قُتل أكثر من 780 شخصاً، بينهم 165 فتاة وموظفاً، إثر غارة استهدفت مدرسة.
وفي لبنان، لقي أكثر من 50 شخصاً حتفهم خلال غارات إسرائيلية يوم الاثنين.
في المقابل، قُتل عشرات الأشخاص، بينهم ستة جنود أمريكيين، في إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، بعد الرد الإيراني.
هل كان رد إيران قانونياً؟
تقول طهران إنها مارست حقها في الدفاع عن النفس، لكن خبراء قانونيين يرون أن بعض الضربات الإيرانية قد تكون انتهكت مبدأ التناسب.
ويشير مارك ويلر إلى أن استهداف دول خليجية بضربات وُصفت بأنها "عشوائية" يمثل انتهاكاً للقانون الدولي.
كما أكد السير جيفري نايس أن استخدام صواريخ غير دقيقة قد يُعد غير متناسب، وبالتالي غير قانوني.
وتلفت بريو إلى أن استهداف فندق فيرمونت الشهير في دبي، باعتباره موقعاً مدنياً غير عسكري، يثير تساؤلات قانونية خطيرة بشأن مشروعية الضربة.
تداعيات أوسع: النظام الدولي على المحك
يحذر الخبراء من أن التغاضي عن استخدام القوة بشكل غير مشروع قد يقوض النظام القانوني الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
وتشير بريو إلى أن دولاً أخرى قد تستند إلى المنطق ذاته لتبرير استخدام القوة، مثل الصين في ما يتعلق بتايوان.
كما حذر ويلر، في مقال نشره مركز Chatham House، من أن ازدواجية المعايير قد تضعف القدرة على معارضة أي توسع روسي أو صيني مستقبلي.
ويجمع خبراء القانون الدولي على أن تكرار انتهاك القواعد دون محاسبة قد يؤدي إلى تآكل النظام القائم على القانون، واستبداله بمنطق القوة.
