نشرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تقريراً تحليلياً رأت فيه أن منطقة الخليج العربي باتت تمثل خط المواجهة الأول في سياق التصعيد المرتبط باستراتيجية إيران الإقليمية. واعتبرت الصحيفة أن ما يجري يعكس تحولاً خطيراً في حسابات طهران، يقوم على زعزعة استقرار الخليج واستهداف ناقلات النفط وتهديد البنية التحتية للطاقة في الدول العربية، بهدف خلق أوراق ضغط فعّالة على واشنطن.

ووفق التقرير، فإن دوائر صنع القرار في طهران تبدو مقتنعة بأن التصعيد في الخليج يشكل أداة تأثير مباشرة على المصالح الغربية، غير أن هذا التصور — بحسب الصحيفة — يستند إلى قراءة غير دقيقة للواقع الجيوسياسي الراهن.

حسابات تكتيكية أم تسريع للعزلة؟

أوضح التقرير أن ما يعتبره الحرس الثوري الإسلامي خطوة تكتيكية ذكية لرفع أسعار الطاقة وردع الولايات المتحدة، قد يتحول عملياً إلى عامل يُسرّع من عزلة إيران دولياً. فاستهداف منطقة حيوية بحجم الخليج العربي لا يُعد حدثاً محلياً محدود التأثير، بل يمثل مساساً مباشراً بشريان رئيسي للاقتصاد العالمي.

وأضافت الصحيفة أن أي اضطراب أمني في الخليج يفتح الباب أمام توسيع نطاق المراقبة الغربية وتعزيز قدرات جمع المعلومات الاستخباراتية والاعتراض البحري والجوي. ولفتت إلى أن هذا الواقع قد يؤدي إلى كشف أنماط عمليات الحرس الثوري في الوقت الفعلي، بما يمنح الجيوش وأجهزة الاستخبارات الغربية فرصة متسارعة لتطوير استجابات تكنولوجية وعملياتية أكثر فاعلية ضده.

تداعيات استراتيجية باهظة الكلفة

على المستوى الاستراتيجي، رأت الصحيفة أن الثمن قد يكون أكثر كلفة مما تتوقعه طهران. إذ تفترض إيران — بحسب التقرير — أن الضغط والتصعيد سيدفعان دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، إلى إعادة النظر في شراكاتها الغربية خشية الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

غير أن المعطيات، وفق القراءة الإسرائيلية، تشير إلى نتيجة معاكسة تماماً. فبدلاً من إحداث ردع سياسي، يسهم التصعيد في تعميق الشرخ التاريخي بين إيران والعالم العربي السني، ويدفع دول الخليج إلى تعزيز اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، في ظل شعور متنامٍ بتهديد مباشر لسيادتها واستقرارها.

التزام أميركي متجدد بأمن الخليج

أكد التقرير أن الرهان على تراجع الولايات المتحدة تحت ضغط ما يُسمى بـ"إرهاب الطاقة" لا يستند إلى أسس واقعية. فالتزام واشنطن بأمن الملاحة البحرية واستقرار أسواق الطاقة في الخليج يُعد ركناً أساسياً في مكانتها الدولية.

ورأت الصحيفة أن الهجمات على دول الخليج تُعتبر في جوهرها ضربات مباشرة لمصالح أميركية حيوية، وهو ما لا يدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب، بل إلى تعزيز حضورها العسكري، وزيادة قواتها، وتوسيع اتفاقياتها الدفاعية مع شركائها الإقليميين.

التحول في موقع إسرائيل إقليمياً

من زاوية إسرائيلية، أشار التقرير إلى أن التطورات الجارية تعكس تحولاً عكسياً مقارنة بالماضي، إذ كانت طهران تنجح في إبقاء إسرائيل بعيدة عن محيطها العربي، بينما يؤدي التصعيد الحالي إلى نتائج مختلفة.

فقد اعتبر أن اتفاقيات أبراهام لم تعد مجرد إطار تعاون اقتصادي، بل تحولت إلى بنية استراتيجية وأمنية متماسكة. ومع تصاعد التهديد الإيراني، يتعزز الإدراك المشترك في القدس وعواصم الخليج بأن الأمر يتعلق بتهديد إقليمي عابر للحدود.

وأضاف أن التعاون الاستخباراتي والعسكري، الذي يجري أحياناً برعاية القيادة المركزية الأميركية، يسهم في تشكيل جبهة منسقة تحدّ من طموحات طهران التوسعية. وبهذا المعنى، ترى الصحيفة أن إيران، عبر سياساتها، ساهمت في تحويل إسرائيل من فاعل خارجي إلى شريك مؤثر في منظومة الدفاع عن الخليج.

خلاصة المشهد

خلص التقرير إلى أن استراتيجية الحرس الثوري القائمة على الإكراه قصير المدى قد تحقق مكاسب تكتيكية محدودة، لكنها تأتي على حساب فقدان الشرعية الدولية وتعزيز تحالف مضاد أكثر تماسكا. وبدلاً من تفكيك جبهة خصومها وإجبارهم على تقديم تنازلات، تجد إيران نفسها أمام اصطفاف إقليمي ودولي أكثر صلابة وترابطاً.

وبينما سعت طهران إلى تحويل الخليج إلى ساحة ضغط خاضعة لنفوذها، تشير المؤشرات — وفق الرؤية الإسرائيلية — إلى أن المنطقة تتحول تدريجياً إلى مركز تعاون دولي يهدف إلى احتواء التمدد الإيراني وعرقلة طموحاته.