تمكن الاقتصاد الأمريكي من تجاوز عام حافل بالتحديات المرتبطة بالتجارة والهجرة وغيرها من الملفات، إلا أنه يواجه اختبارًا جديدًا قد يعمّق حالة عدم اليقين، عقب قرار الرئيس الأمريكي Donald Trump شن هجمات مفتوحة زمنياً ودون قيود محددة على إيران، بهدف معلن يتمثل في الإطاحة بالحكومة الإسلامية التي تحكم البلاد منذ عقود.

تأثير الحرب الامريكيه الإيرانية علي اسعار النفط 

ومع استمرار الضربات المتبادلة في أنحاء المنطقة، وتصريح ترامب بأن الصراع قد يمتد لأسابيع على الأقل، يراقب المحللون مجموعة واسعة من العوامل غير المتوقعة. فقد قفزت أسعار النفط في بداية الأسبوع من 70 دولارًا إلى قرابة 80 دولارًا للبرميل، قبل أن تتراجع جزئيًا، في ظل تباطؤ حركة الملاحة عبر الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في Strait of Hormuz.

ورغم أن الولايات المتحدة أقل عرضة لصدمات الطاقة مقارنة بدول متقدمة أخرى بفضل إنتاجها المحلي من النفط والغاز، فإن التداعيات العالمية على التجارة والأسعار والاستثمار قد تؤثر سلبًا على توقعات النمو الإيجابية التي كانت مرجحة لهذا العام.

المخاطر المتوقعة علي الاقتصاد الأمريكي 

وأظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة The Conference Board ارتفاعًا في ثقة الرؤساء التنفيذيين تجاه آفاق الاقتصاد الأمريكي وقطاعاتهم، إلا أن نحو 60% منهم أشاروا إلى مخاطر مرتفعة ناجمة عن التوترات الجيوسياسية. كما وصف International Monetary Fund في أحدث تقييم له للاقتصاد الأمريكي التوقعات بأنها "إيجابية"، لكن هذا التقييم يواجه الآن اختبارًا صعبًا في ظل اضطرابات صراع مفاجئ بمنطقة رئيسية لإنتاج النفط، وما يرافقه من تأثيرات على الشحن العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار السلع.

وفي مذكرة صدرت مطلع الأسبوع عقب بدء القصف الأمريكي لإيران، كتب جوزيف لوبتون، الخبير الاقتصادي في JPMorgan Chase، أن أحد الركائز الأساسية لتوقعاتهم لعام 2026 كان تراجع حالة الحذر المرتبطة بالسياسة الأمريكية، حيث أظهرت بيانات بداية العام أن الشركات بدأت تتجاوز مرحلة الجمود في التوظيف والإنفاق الرأسمالي، وشرعت في توجيه أرباحها ورؤوس أموالها نحو الاستثمار.

إلا أنه حذّر من أن هذا التعافي الناشئ بات معرضًا للخطر، مؤكدًا أن الحرب العسكرية، إلى جانب الحرب التجارية المستمرة، قد تعيد إشعال المخاوف بشأن الاستقرار العالمي.

ويتوقف حجم التأثير المحتمل، وكذلك انعكاساته على السياسة النقدية لـ Federal Reserve، على مدى استمرار ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وما إذا كان الصراع سيتصاعد أو يتوسع بمرور الوقت، أو يتحول إلى صراع داخلي على السلطة في إيران عقب مقتل الزعيم الأعلى Ali Khamenei في غارة جوية.

ويُذكّر الوضع الحالي بالمخاطر العالمية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين اتجه البنك المركزي الأمريكي مبدئيًا نحو التيسير النقدي، قبل أن تتصاعد مخاوف التضخم سريعًا، ما دفعه إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة.

وكتب تيم دوي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة SGH Macro Advisors، أن الصراع مع إيران يمثل عاملًا مفاجئًا، لكن الأسواق قد تفقد اهتمامها سريعًا إذا بدا أن التطورات ستتحول إلى شأن داخلي.

من جانبه، أشار ساسان قهرماني، رئيس الشركة التنفيذي، إلى حالة الضبابية السائدة، مع احتمالات اندلاع حرب أهلية في إيران، فضلًا عن احتمال اتباع طهران تكتيك "الأرض المحروقة" عبر توسيع نطاق التصعيد إلى مراكز مدنية أخرى بهدف الضغط على الاقتصاد العالمي لإنهاء الحرب.

خطر حملة غير متكافئة

على صعيد الأسواق، يبدو التأثير الأولي محدودًا. فالعقود الآجلة لأسعار الفائدة تميل بشكل طفيف نحو توقع سياسة أكثر تشددًا، لكنها لا تزال تشير إلى احتمال خفض الفائدة مرتين هذا العام، بدءًا من اجتماع أواخر يوليو.

  تراجع في عوائد سندات الخزانة الأمريكية 

وسجلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين تراجعًا في بداية الأزمة، وهو نمط معتاد في أوقات التوتر، قبل أن تعاود الارتفاع، في إشارة إلى مخاوف من تصاعد التضخم عالميًا. كما ارتفع الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا.

وتباين أداء مؤشرات الأسهم الرئيسية، حيث تراجع مؤشر Dow Jones Industrial Average بشكل طفيف، بينما سجل S&P 500 ارتفاعًا محدودًا.

ورأى محللو Citigroup أن التطورات الجيوسياسية لن تُحدث تأثيرًا كبيرًا على خطط الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، متوقعين إضافة 55 ألف وظيفة جديدة واستقرار البطالة عند 4.4%، وهي بيانات قد تعزز ثقة صناع السياسة النقدية بمتانة سوق العمل.

في المقابل، حذّرت رئيسة الاحتياطي الفيدرالي السابقة Janet Yellen من أن الحرب تمثل خطرًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو في آن واحد، ما قد يدفع البنك المركزي إلى التريث في خفض أسعار الفائدة.

بدوره، أشار كريستوفر هودج، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في Natixis CIB Americas، إلى تنامي المخاطر المحتملة، مستعرضًا سيناريوهات تتراوح بين تسوية سريعة وتشكيل حكومة جديدة في إيران تعيد الاستقرار، وبين صراع ممتد يعصف بسلاسل الإمداد العالمية.

وفي السيناريو المتطرف، قد يتضح سريعًا أن قدرة النظام الإيراني المتبقي على الرد محدودة، ما يؤدي إلى تلاشي أثر ارتفاع النفط سريعًا وتأثير اقتصادي محدود. أما في حال توسع الصراع إقليميًا، وبقاء أسعار النفط فوق 120 دولارًا، فقد تمتد الصدمة إلى الشحن والتأمين وشبكات الإنتاج العالمية، مع دخول الاقتصاد الأمريكي في حالة انكماش وارتفاع البطالة والعجز، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض الفائدة سريعًا لتجنب الركود.

وأشار جيمس ستافريديس، نائب رئيس شركة The Carlyle Group، وجيف كوري، المسؤول عن أسواق الطاقة والسلع بالشركة، إلى صعوبة التنبؤ بمسار الأحداث، مقدّرين احتمال نجاح ترامب في تغيير النظام الإيراني بنحو 30% فقط.

ورجّحا احتمال لجوء الحرس الثوري الإيراني إلى رد غير متكافئ يتجاوز نقاط الاختناق التقليدية مثل مضيق هرمز، خاصة بعد استهداف منشآت الغاز الطبيعي في قطر، ما أدى إلى توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال من منشآت تعتمد على المرور عبر المضيق.

كما حذر توماس من احتمال أساسي يتجاوز 70% لشن حملة غير متكافئة طويلة الأمد تشمل هجمات إلكترونية وأنشطة بالوكالة قد تمتد إلى العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، متسائلًا في الوقت ذاته: من سيؤمّن منشآت الغاز الطبيعي المسال في موزامبيق؟