يحل اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل عام ليؤكد على الدور التاريخي الذي لعبته النساء في بناء المجتمعات وصناعة التحولات السياسية والاجتماعية. وفي مصر لم يكن حضور المرأة في المجال العام مجرد مشاركة رمزية، بل كان تأثيرًا حقيقيًا امتد عبر أكثر من قرن، بدءًا من دعم التعليم والحركة الوطنية، مرورًا بالنضال من أجل الحقوق السياسية، وصولًا إلى تولي المناصب الوزارية والبرلمانية والدبلوماسية.
وعلى مدار التاريخ الحديث، برزت شخصيات نسائية تركت بصمات واضحة في مسار الدولة المصرية، وأسهمت في تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية.

الأميرة فاطمة إسماعيل.. صاحبة الفضل في إنشاء جامعة القاهرة

تُعد فاطمة إسماعيل ابنة الخديوي إسماعيل باشا واحدة من أبرز الشخصيات النسائية التي أسهمت في دعم التعليم الحديث في مصر. وُلدت في القاهرة ونشأت في أسرة حاكمة كان لها دور كبير في تحديث الدولة المصرية خلال القرن التاسع عشر.
ورغم أنها لم تتولَّ منصباً سياسياً رسمياً، فإن تأثيرها في المجال العام كان كبيرًا؛ إذ تبرعت بمساحات واسعة من أراضيها إلى جانب مجوهراتها الخاصة للمساهمة في إنشاء الجامعة المصرية التي أصبحت لاحقًا جامعة القاهرة.
وجاءت هذه الخطوة في وقت كان فيه الاحتلال البريطاني يعارض توسع التعليم العالي للمصريين، ما جعل مبادرتها موقفًا وطنيًا وثقافيًا دعم حركة التنوير والتعليم في مصر، وأسهم في تخريج أجيال من المفكرين والساسة الذين قادوا مسيرة النهضة الحديثة.

المرأة المصرية وثورة 1919 وبداية الحضور السياسي
شهدت ثورة 1919 واحدة من أهم اللحظات التي برز فيها الدور السياسي للمرأة المصرية. فقد خرجت النساء في مظاهرات حاشدة للمطالبة باستقلال البلاد، ودعم الحركة الوطنية بقيادة الزعيم سعد زغلول.
ومن أبرز الشخصيات التي قادت هذا الحراك الوطني صفية زغلول التي عُرفت بلقب "أم المصريين"، حيث لعبت دورًا سياسيًا بارزًا في دعم الحركة الوطنية، وتحول منزلها إلى مركز للنشاط السياسي بعد نفي زوجها.
كما برزت إستر فانوس كأحد رموز الوحدة الوطنية، إذ نظمت مشاركة النساء الأقباط في الحركة الوطنية، وشاركت ضمن وفد نسائي قابل لجنة ميلنر البريطانية للمطالبة باستقلال مصر.

هدى شعراوي.. قائدة النضال الشعبي

تعد هدى شعراوي من أبرز رائدات الحركة النسوية والسياسية في مصر. وُلدت نور الهدى محمد سلطان الشعراوي في مدينة المنيا، وتلقت تعليماً منزلياً راقياً شمل اللغات الفرنسية والتركية والموسيقى.
ومع بدايات القرن العشرين، نقلت هدى شعراوي العمل النسائي من الإطار الاجتماعي إلى ساحة العمل السياسي المباشر. ففي عام 1920 أسست لجنة الوفد المركزية للسيدات، وقادت مظاهرات نسائية حاشدة ضد الاحتلال البريطاني.
كما أسست الاتحاد النسائي المصري عام 1923، وشاركت في مؤتمرات دولية للدفاع عن قضية استقلال مصر وحقوق المرأة، لتصبح إحدى أبرز رموز الحركة النسوية في التاريخ المصري الحديث.

درية شفيق.. مقتحمة البرلمان

برز اسم درية شفيق كأحد أهم رموز النضال السياسي النسوي في مصر. وُلدت في طنطا بمحافظة الغربية، وحصلت على دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة السوربون عام 1940.
وفي عام 1951 قادت مسيرة نسائية ضخمة واقتحمت مقر البرلمان المصري مع نحو 1500 امرأة، مطالبة بمنح المرأة حق الانتخاب والترشح.
وبفضل نضالها السياسي وضغطها المستمر، أقر دستور 1956 خلال حكم الرئيس جمال عبد الناصر حق المرأة في التصويت لأول مرة، وهو ما فتح الباب أمام مشاركة النساء في الحياة السياسية والبرلمانية.

Embed خارجي
سيظهر الـ Embed عند النشر

راوية عطية.. أول صوت نسائي تحت القبة

دخلت راوية عطية التاريخ كأول امرأة مصرية وعربية تفوز بعضوية البرلمان. وُلدت في الجيزة وتخرجت في كلية التربية بجامعة القاهرة عام 1947.
وفي عام 1957 خاضت معركة انتخابية قوية تمكنت خلالها من الفوز بعضوية مجلس الأمة، لتصبح أول امرأة تجلس تحت قبة البرلمان المصري.
كما شاركت في الدفاع عن الوطن خلال العدوان الثلاثي عام 1956 كضابطة متطوعة في الجيش المصري، ما منحها مكانة وطنية وسياسية مميزة.

حكمت أبو زيد.. وزيرة الثورة والتنمية

تُعد حكمت أبو زيد أول امرأة تتولى منصباً وزارياً في مصر. وُلدت في قرية الشيخ داود بمحافظة أسيوط، وحصلت على دكتوراه في علم النفس من جامعة لندن عام 1955.
وفي عام 1962 تولت وزارة الشؤون الاجتماعية، حيث أطلقت مشروع الأسر المنتجة الذي ساهم في تحويل آلاف الأسر من متلقي إعانات إلى منتجين.
كما لعبت دوراً مهماً في إدارة ملف تهجير أهالي النوبة أثناء بناء السد العالي، وهو أحد الملفات الاجتماعية الكبرى في تاريخ مصر الحديث.

جيهان السادات.. سيدة القوانين الاجتماعية

برزت جيهان السادات، زوجة الرئيس أنور السادات، كواحدة من الشخصيات النسائية المؤثرة في المجال الاجتماعي والسياسي.
وفي عام 1979 لعبت دورًا مؤثرًا في تعديل قوانين الأحوال الشخصية، والتي عُرفت إعلاميًا باسم "قانون جيهان"، وأسهمت في تعزيز حقوق المرأة في السكن والحضانة والنفقة.
كما شاركت في دعم المجهود الحربي ورعاية أسر المصابين خلال حرب أكتوبر 1973.

عائشة راتب.. حارسة القانون والدبلوماسية

تعد عائشة راتب من أبرز الشخصيات النسائية في العمل القانوني والدبلوماسي في مصر. وُلدت في حي الدقي، وتخرجت في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1949، ثم حصلت على دكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.
كانت أول امرأة تتقدم لشغل منصب قاضية في مصر، وخاضت معركة قانونية مهمة ضد التمييز.
كما تولت وزارة التأمينات والشؤون الاجتماعية، ثم أصبحت أول سفيرة لمصر في الدنمارك وألمانيا.

نبيلة مكرم.. وزيرة الهجرة والقوة الناعمة

برز دور نبيلة مكرم في ربط المصريين بالخارج بالدولة المصرية. وُلدت في طنطا، وتخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
وشغلت منصب وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، حيث أطلقت مبادرات مهمة مثل "مراكب النجاة" لمواجهة الهجرة غير الشرعية، إضافة إلى مؤتمرات "مصر تستطيع" للاستفادة من خبرات العلماء المصريين بالخارج.

منال عوض.. رائدة الإدارة المحلية الحديثة

تمثل منال عوض نموذجًا حديثًا لنجاح المرأة المصرية في الإدارة المحلية. وُلدت في طنطا وتخرجت في كلية الطب البيطري بجامعة بنها.
وشغلت منصب محافظ دمياط لتصبح أول سيدة مسيحية تتولى هذا المنصب، قبل أن تتولى لاحقًا وزارة التنمية المحلية عام 2024.
وخلال فترة إدارتها لمحافظة دمياط حققت إنجازات تنموية وإدارية مهمة، كما حصلت المحافظة على جوائز دولية من منظمة اليونسكو تقديراً لتجربتها في التنمية المحلية.

المرأة المصرية بين الماضي والمستقبل

على مدار أكثر من قرن، أثبتت المرأة المصرية قدرتها على التأثير في مسار الدولة وصناعة القرار. فمن دعم التعليم الحديث على يد الأميرة فاطمة إسماعيل، إلى قيادة الحركة النسوية على يد هدى شعراوي، مرورًا بنضال درية شفيق من أجل الحقوق السياسية، ووصولًا إلى القيادات النسائية المعاصرة في الحكومة والإدارة المحلية.
ويظل اليوم العالمي للمرأة مناسبة للاحتفاء بتاريخ طويل من النضال والإنجاز، والتأكيد على أن المرأة المصرية ستظل شريكًا أساسيًا في بناء مستقبل الوطن وصناعة قراراته السياسية.